عبد القاهر فصلا في الدلائل، لتحقيق القول في البلاغة والفصاحة والبيان والبراعة، ذهب فيه إلى أن هذه الأوصاف لا ترجع إلى اللفظ وإنما ترجع إلى النظم «1» وأن اللفظة المفردة من حيث هى لفظة لا وزن لها في فصاحة، وبيان، وبلاغة «2» وهو كذلك ينكر أن يكون للمعانى مزية في البلاغة، كما أنكر ذلك بالقياس إلى الألفاظ من حيث هى ألفاظ، وهو لا يقصد بالمعانى مجرد مدلول اللفظ، وانما يريد المعنى الاضافى للتعبير من تقديم وتأخير وتعريف وتنكير وذكر وحذف وقصر ووصل وفصل وما إلى ذلك من خصائص العبارات، أى المعنى الثانى للمدلول، أو معنى المعنى للفظ» «3» .
وهكذا سلّمت الأشاعرة برأى المدرسة الجبّائيّة البهشميّة، متمثلة في عبد القاهر الذى مهد الطريق بدوره للزمخشرى المعتزلى، أن يطبق ما ذهب إليه الجرجانى.
وقد عدل الزمخشرى عن فكرة النظم والفصاحة، وقد تنازعها المعتزلة والأشاعرة- في الظاهر- وآثر اصطلاحا جديدا يدلل به على إعجاز المعجز، وهو أنه يرجع الى علمى المعانى والبيان «4» ويتأثره في ذلك السكاكى «5» ومن هذا النبع يصدر الرواة من البلاغيين.
2 -الفواصل والسجع. بين المعتزلة والأشاعرة:
اختلف الرأى بين المعتزلة والأشاعرة، في تسمية نهايات الآيات أ هي فواصل أم سجع؟ يقول الباقلانى «ذهب أصحابنا كلهم إلى نفى السجع من القرآن، وذكره الشيخ أبو الحسن الأشعرى رضى اللّه عنه، في غير موضع في كتبه» «6» .
(1) الجرجانى- الدلائل- 31.
(2) نفس المرجع- 39.
(3) نفس المرجع- 173.
(4) الزمخشرى- الكشاف- 1/ 3، ولا يقصد الزمخشرى بلفظ «علمين» ما قصد إليه السكاكى بعده من وضع الحدود والتعريفات والتقسيمات، أو التمزيقات ... ، إنما قصد الاحاطة بفنون معانى النحو والصور البيانية.
(5) السكاكى- المفتاح- 186.
(6) الباقلانى- إعجاز القرآن- 57.