النظام والجاحظ ذكرت شيئا عن المعتزلة في نشأتهم وازدهارهم، وفى هذا الفصل أكمل الحديث عنهم، ممثّلا في علمين من أعلامهم وهما النّظّام وتلميذه الجاحظ مركّزا على جهودهم في الإعجاز.
ويحسن أن أستعرض جانبا من قضية الإعجاز حتى يصل القول لرأى النظام ثم رأى الجاحظ، ورأيهما هذا بالإضافة إلى رأى الجبائى ثم الرمانى ثم القاضى عبد الجبار، سيعطى لنا صورة بارزة لجهود المعتزلة في الدفاع عن الدين وفى إبراز أهم قضاياه، ألا وهى أن النبوة حق وأن الأعجاز واقع، وأن أراجيف المغرضين باطلة.
القرآن وإعجازه:
نزل القرآن إلى العرب يأمرهم بالتوحيد ويسفّه لهم أحلامهم فيما يقدسونه من أصنام «1» ، وتلقّى الرسول الكريم ألوانا من العنت وصنوفا من العذاب، إذ راحوا يهاجمونه بضراوة «أ أنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون» : [الصافات- 36] ويتهمونه بأنه «كاهن» «2» وأنه «ساحر» «3» وأكثروا فيما قالوا. والقرآن يصفهم بالكذب والافتراء على الرسول الكريم. ثم هم يهاجمون برهان نبوته ودليل رسالته فادّعوا أن القرآن «أساطير الأولين» «4» وأن الرسول «اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا» «5» وما سوره «إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً» «6» ومن ثمّ تحداهم القرآن أن
(1) انظر yraeLO في كتابه dammahuM erofeb aibarA ذلك في فصل noigiler cimalsi- erp morf ecnedivE وخاصة ص 195.
(2) الحاقة آية 42، وتبدأ من آية 40 ب «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» .
(3) الذاريات آية 52 - «كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ» .
(4) الأنعام- آية 25 - «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» .
(5) الفرقان آية 5.
(6) سبأ آية 43 «وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ، وَ قالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً، وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» .