وتمام الأمر وبشر أصحابه بالنصر ونزول الملائكة، و «لو كانوا لذلك ذاكرين لم يكن عليهم من المحاربة مئونة، واذا لم يتكلفوا المئونة لم يؤجروا، ولكن اللّه تعالى بنظره اليهم رفع ذلك في كثير من الحالات من أوهامهم، ليتحملوا مشقة القتال وهم لا يعلمون أ يغلبون أم يغلبون، وأ يقتلون أم يقتلون؟» «1» ويقول الجاحظ أيضا أن النبى قد صرف عن قول الشعر «2» .
فالصرفة وجه من وجوه الأعجاز عند الجاحظ ولكن بعد أن قامت تجربة المعارضة وفشلت واعترف العرب بالعجز وشهدوا بأن القرآن معجز لنظمه.
وفى جانب النظم في القرآن وقف الجاحظ بجوار القرآن مسهما في إيضاح مراميه مؤكدا إعجاز نظمه وروعته وجلاله.
فقد ألف كتابا في «نظم القرآن» الذى عنه يقول الخياط «و لا يعرف في الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه وأنه حجة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم، على نبوته غير كتاب الجاحظ» «3» وفى «البيان والتبيين» يحدثنا الجاحظ كيف «خالف القرآن جميع الكلام الموزون والمنثور، وهو منثور غير مقفّى على مخارج الأشعار والأسجاع، وكيف صار نظمه من أعظم البرهان وتأليفه من أكبر الحجج» «4» .
فالعرب «حين استحكمت لغتهم وشاعت البلاغة فيهم، وكثر شعراؤهم وفاق الناس خطباؤهم، بعثه اللّه عز وجل- فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون على أكثر منه، فلم يقرعهم لعجزهم على نقصهم حتى تبين لضعفائهم وعوامهم كما تبين لأقويائهم وخواصهم وكان من أعجب ما أتاه اللّه مع سائر ما جاء به من الآيات وضروب البرهانات» «5» .
فالقرآن معجز لنظمه، واللّه تعالى قد صرف العرب عن أن يقلدوه حتى لا تتبلبل الأفكار وليست الصرفة إقلالا من شأن القرآن، بل رحمة من اللّه تعالى
(1) نفس المصدر السابق والصفحة.
(2) الجاحظ- البيان والتبيين 3/ 358.
(3) الخياط- الانتصار- 154 و155.
(4) الجاحظ- البيان والتبيين- 1/ 393 ط السندوبى.
(5) الجاحظ- حجج النبوة 146 والحيوان 4/ 90 ط هارون.