الصفحة 59 من 267

أما طعنهم بأن في القرآن تطويلا، فقد بيّن أبو هاشم، أن فصاحة الكلام إذا كانت تظهر بحسن معانيه واستقامتها والحاجة إليها، فيجب أن يكون الكلام بحسبها، فلا بد إذا اختلفت أحوال المعانى أن يختلف الكلام في التطويل والإيجاز، لأنه ليس في قول اللّه لفظة تعم قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ» فلا بد إذا كان الحال هذه، وجوب بيان المحرمات من النساء، أن يجرى تعالى الخطاب على هذا الحد، فمن قال، كان يجب أن تكون هذه الآية بمنزلة قوله (ثم نظر «1» ) فقد ظلم، وأبان عن جهله بطريقة اللغة ... ، قال: ولذلك اختلفت الآيات في الطول والقصر لأن الذى جعله آية قد كان قصة تامة، أو يحل هذا المحل، وقد بين أهل هذا الشأن: أن التطويل إنما يعدّ عيبا في المواضع التى يمكن الإيجاز، ويغنى عن التطويل فيها، فأما إذا كان الإيجاز متعذرا أو ممكنا ولا يقع به المعنى ولا يسدّ مسدّ التطويل، فالتطويل هو الأبلغ في الفصاحة «2» .

وكان يرى في زوال الاختلاف عن القرآن لونا من ألوان إعجازه «3» فإن قال قائل. أ ليس «أقليدس» وصاحب كتاب «المجسطى» «4» و «صاحب العروض» و «سيبويه» وغيرهم قد اختصوا فيما ظهر عنهم من العلوم بما بانوا به من غيرهم، ولم يدل ذلك على نبوتهم ولا صلح منهم التحدى لذلك. فهلا وجب مثله في القرآن، وأن اختصّ بالمزية لأن مزيته ليس بأكثر من مزية ما ظهر من كتب ما ذكرناه: قيل له: أن (أبا هاشم) «5» أجاب عن ذلك، بأن هذه المسألة توجب

(1) يقصد بقوله تعالى في سورة المدثر «إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ، فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» [المدثر، 18 - 24] ف «ثم» هنا أفادت الترتيب مع التعقيب، بينما الواو في قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ ... » لمطلق الجمع بلا ترتيب في درجة التحريم.

(2) المصدر السابق- 401.

(3) المصدر السابق- 328.

(4) المجسطى: كتاب بطليموس- وقد قام بترجمته كثير من النقلة قالوا: وصحح المأمون كثيرا من حسابه وأقيسته لمحيط الأرض. والدرجة الأرضية. فكان أرصاد علمائه أول أرصاد في الاسلام، انظر فيه كتاب- أوليرى- مسالك الثقافة الإغريقية إلى العرب- ص 47 و237 ترجمة د. تمام حسان- ط الأنجلو.

(5) يقصد الخليل بن احمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت