الصفحة 91 من 267

ترتيبهم خطابهم، ولا متبعا أسلوبهم، ولكنه قرآن خارج عن العادة، معجز.

ثانيا: إن الشاعر قد يجوّد في المدح دون الهجو، ومنهم من يسبق في طويلة جعلته ينفرد بهذا ويتميز على قول الحكيم وشعر الشاعر وخطبة الخطيب، فليس عندهم القدرة على الإتقان بهذه الدرجة ثم القدرة على الاستمرار في هذا الإتقان.

ثالثا: إن الشاعر قد يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين، أو في الوصف غير النسيب، وكذا الكتاب البلغاء منهم عاجزون في ميدان الشعر، ونرى الخطباء الأبيناء قد لا يتمكنون من نظم بيت، وغير ذلك. فلكلّ قدرته، أما القرآن فقد تصرف في مختلف الوجوه من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام وإعذار وإنذار ووعيد وتبشير وتخويف بدرجة لا تتفاوت في الدقة ولا تقل في الإبداع.

رابعا: إن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد، وغير ذلك، مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم بينما نجد القرآن على اختلاف فنونه، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلقة، يجعل المختلف كالمؤتلف والمتباين كالمناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد.

وهذا أمر عجيب.

خامسا: نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة الكلام الجن كما يخرج عن عادة كلام الأنس فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ثم يتصور الباقلانى أن أحدهم يعترض على إدخال الجن في دائرة المحاولة والخطأ، فيورد بعض الأبيات التى تثبت المحاورات التى قامت بين الشعراء والغيلان؟

سادسا: أن الذى ينقسم إليه الخطاب من البسط والاقتصار، والجمع والتفريق والاستعارة والتصريح والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه في كلامهم موجود في القرآن.

سابعا: أن المعانى التى تضمنها في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت