الصفحة 99 من 267

وأما عن قوة التعبير القرآنى وصدقه لصدوره عن اللّه سبحانه، فنستطيع أن نتبينها إذا نظرنا إلى نتاج الشعراء أو الكتاب، فنحن حين نقرأ لعنترة أو لأبى فراس أو للمتنبى شعرا في الشجاعة والبطولة والحروب نجد لشعرهم صدقا ونبضا وحياة نابعة من طبيعتهم الشجاعة ومن ممارستهم للحروب، والأمر يختلف لو قرأنا لابن الرومى شعرا فيه أنه جال وصال وفتك بالأعداء، وكذا لأبى نواس ولحماد عجرد وغيرهم ممن لم يكن لهم في الحرب باع.

أى أن هناك لونا من التعبير يصدق فيه الشاعر مع نفسه حين يتعرض له لأنه يتفق وطبيعته، ويجد نفسه منطلقة في سلاسة وسهولة بلا تصنع ولا كذب.

يقول الباقلانى: أ لا ترى أن الشعر في التغزل إذا صدر عن محب كان أرق وأحسن، وإذا صدر عن متعمّل وحصل من متصنع نادى على نفسه بالمداجاة، وأخبر عن خبيئه بالمراياة، وأنت تجد لابن المعتز في موقع شعره من القلب في الفخر وغيره ما لا تجده لغيره إذا قال:

إذا شئت أوقرت البلاد حوافرا ... وسارت ورائى هاشم ونزار

وعم السّماء النّقع حتى كأنه ... دخان وأطراف الريّاح شرار

تعلم أنه ملك الشعر، وأنه يليق به من الفخر خاصة، ثم يتبعه مما يتعاطاه، ما لا يليق بغيره، بل ينفر عن سواه، وكما ترى في قول أبى فراس الحمدانى في نفسك اذا قال:

ولا أصبح الحىّ الخلوف بغارة ... ولا الجيش ما لم تأته قبلى النّذر

والشيء إذا صدر من أهله، وبدأ من أصله، وانتسب إلى ذويه، سلم في نفسه، وبانت فخامته، وشواهد أثر الاستحقاق فيه، وإذا صدر من متكلف، وبدأ من متصنع، بان أثر الغربة عليه وظهرت مخايل الاستيحاش فيه، وعرف شمائل التحير منه «1» .

(1) الباقلانى- إعجاز القرآن- 277 إلى 280.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت