وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى وَزْنِ أَعْمَالِ الْمُخَلَّطِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} وَإِنَّمَا أَرَادَ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُتْرَكُ لَهُ حَسَنَةٌ إِلاَّ تُوزَنُ، وَهَذَا بِالْمُؤْمِنِ الْمُخَلَّطِ أَلْيَق, لأَنَّهُ لَوْ تُرِكَتْ لَهُ حَسَنَةٌ لَمْ تُوزَنْ, لَزَادَ ذَلِكَ فِي ثِقَلِ سَيِّئَاتِهِ، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي عَذَابِهِ، فَأَمَّا أَنَّ الْوَزْنَ كَيْفَ يَكُونُ, فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا؛ أَنَّ صُحُفَ الْحَسَنَاتِ تُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ النَّيِّرَةِ، وَصُحُفَ السَّيِّئَاتِ فِي الْكِفَّةِ الْمُظْلِمَةِ, لأَنَّ الأَعْمَالَ لاَ تُنْسَخُ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلاَ كَاتِبَهَا يَكُونُ وَاحِدًا لَكِنَّ الْمَلَكَ الَّذِي يَكُونُ عَنِ الْيَمِينِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَالْمَلَكُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الشِّمَالِ يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، فَيَتَفَرَّدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يَنْسَخُ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْوَزْنِ، وُضِعَتِ الصُّحُفُ فِي الْمَوَازِينِ, فَيُثَقِّلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا يَحِقُّ تَثْقِيلُهُ، وَيُخَفِّفُ مَا يَحِقُّ تَخْفِيفُهُ، وَالْوَجْهُ الآخَرُ: يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَجْسَامًا مُقَدَّرَةً بِعَدَدِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَيُمَيِّزُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى بِصِفَاتٍ تُعْرَفُ بِهَا, فَتُوزَنُ كَمَا تُوزَنُ الأَجْسَامُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فِي الدُّنْيَا، وَاللهُ أَعْلَمُ, وَيُعْتَبَرُ فِي وَزْنِ الأَعْمَالِ مَوَاقِعُهَا مِنْ رِضَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسَخَطِهِ، وَذَهَبَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ إِلَى إِثْبَاتِ هَذَا الْمِيزَانِ بِكِفَّتَيْهِ، وَجَاءَ فِي الأَخْبَارِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ.