فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 759

غير فاعل لأفعال العباد، واختلفوا: هل يوصف بأنه مخترعها ومحدثها، وأنه قادر عليها وخالق لها؟ فجمهورهم نفوا ذلك، ومن يقرب منهم إلى السنة أثبت كونها مقدورة للّه، وأن اللّه سبحانه قادر على أعيانها، وأن العباد أحدثوها بإقدار اللّه لهم على إحداثها، وليس معنى قدرة اللّه عليها عندهم أنه قادر على فعلها، هذا عندهم عين المحال، بل قدرته عليها إقدارهم على إحداثها، فإنما أحدثوها بقدرته وإقداره وتمكينه، وهؤلاء أقرب القدرية إلى السنة.

وأرباب هذه المذاهب، مع كلّ طائفة منهم خطأ وصواب، وبعضهم أقرب إلى الصواب، وبعضهم أقرب إلى الخطأ، وأدلة كل منهم وحججه إنما تنهض على بطلان خطأ الطائفة الأخرى، لا على إبطال ما أصابوا فيه، فكل دليل صحيح للجبرية، إنما يدلّ على إثبات قدرة الرب تعالى ومشيئته، وأنه لا خالق غيره، وأنه على كل شي ء قدير، لا يستثنى من هذا العموم فرد واحد من أفراد الممكنات، وهذا حق، ولكن ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون العبد قادرا مريدا فاعلا بمشيئته وقدرته، وأنه هو الفاعل حقيقة، وأفعاله قائمة به، وأنها فعل له لا للّه، وأنها قائمة به لا باللّه.

وكل دليل صحيح بقيمه القدرية، فإنما يدل على أنّ أفعال العباد فعل لهم، قائم بهم، واقع بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم، وأنهم مختارون لها غير مضطرين ولا مجبورين، وليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون اللّه سبحانه قادرا على أفعالهم، وهو الذي جعلهم فاعلين. فأدلّة الجبرية متضافرة صحيحة على من نفى قدرة الرب سبحانه على كل شي ء من الأعيان والأفعال، ونفى عموم مشيئته وخلقه لكلّ موجود، وأثبت في الوجود شيئا بدون مشيئته وخلقه، وأدلة القدرية متضافرة صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره، وقال: إنه ليس بفاعل شيئا، واللّه يعاقبه على ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت