فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 759

رَبِّ رَضِيًّا (6) [مريم] وقال في الطرف الآخر فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً (13) [المائدة] وقال وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْرًا (25) [الأنعام] وهذه الأكنّة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا.

والتحقيق أنّ هذا ناشئ عن الأكنة والوقر، فهو موجب ذلك ومقتضاه، فمن فسّر الأكنة والوقر به، فقد فسرهما بموجبهما ومقتضاهما، وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من أفعالهم، وهي مجعولة للّه سبحانه، كما أنّ الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم، واللّه جاعله، فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإراداتها واعتقاداتها، فذلك كله مجعول مخلوق له، وإن كان العبد فاعلا له باختياره وإرادته.

فإن قيل: هذا كله معارض بقوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ (103) [المائدة] والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجعل العباد لها، فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجعله.

قيل: لا تعارض- بحمد اللّه- بين نصوص الكتاب، بوجه ما، والجعل هاهنا جعل شرعيّ أمريّ، لا كونيّ قدريّ، فإنّ الجعل في كتاب اللّه ينقسم إلى هذين «1» النوعين، كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم، كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه.

فنفى سبحانه عن البحيرة والسائبة جعله الدينيّ الشرعي، أي: لم يشرع ذلك، ولا أمر به، ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب، وجعلوا ذلك دينا له بلا علم، ومن ذلك قوله تعالى: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي

(1) تحرفت في المطبوع إلى: «هذه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت