فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 759

أحبّ للّه، وأبغض للّه وأعطى للّه ومنع للّه، فقد استكمل الإيمان «1» ، وجعل إنكار المنكر بالقلب من مراتب الإيمان، وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركه، فلم يكن الترك من الإيمان إلا بهذه الكراهة، والبغض والامتناع والمنع للّه، وكذلك براءة الخليل وقومه من المشركين ومعبودهم ليست تركا محضا، بل تركا صادرا عن بغض ومعاداة وكراهة، هي أمور وجودية، هي عبودية للقلب، يترتب عليها خلوّ الجوارح من العمل، كما أنّ التصديق والإرادة والمحبة للطاعة، من عبودية القلب، يترتب عليها آثارها في الجوارح، وهذا الحبّ والبغض تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وهو إثبات تألّه القلب للّه ومحبته ونفي تألهه لغيره وكراهته، فلا يكفي أن يعبد اللّه ويحبه، ويتوكل عليه، وينيب إليه، ويخافه ويرجوه حتى يترك عبادة غيره، والتوكل عليه والإنابة إليه وخوفه ورجاءه، ويبغض ذلك، وهذه كلها أمور وجودية، وهي الحسنات التي يثيب اللّه عليها، وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة، ولا يكرهها بقلبه ويكفّ نفسه عنها، بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه، ولا يثاب على هذا الترك، فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل والنائم، لكن قد يثاب على اعتقاد تحريمها، وإن لم يكن له إليها داعية البتة، فالترك ثلاثة أقسام، قسم يثاب عليه، وقسم يعاقب عليه، وقسم لا يثاب ولا يعاقب.

فالأول: ترك العالم بتحريمها، الكافّ نفسه عنها للّه، مع قدرته عليها.

والثاني: كترك من يتركها لغير اللّه لا للّه، فهذا يعاقب على تركه لغير اللّه، كما يعاقب على فعله لغير اللّه، فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال القلب، فإذا عبد به غير اللّه، استحق العقوبة.

والثالث: كترك من لم يخطر على قلبه علما، ولا محبة ولا كراهة، بل بمنزلة ترك النائم والطفل.

(1) صحيح. رواه أبو داود (4681) عن أبي أمامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت