فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 759

فإن قيل: كيف يعاقب على ترك المعصية حياء من الخلق، وإبقاء على جاهه بينهم، وخوفا منهم أن يتسلطوا عليه، واللّه سبحانه لا يذم على ذلك، ولا يمنع منه؟.

قيل: لا ريب أنه لا يعاقب على ذلك، وإنما يعاقب على تقربه إلى الناس بالترك، ومراءاتهم به، وأنه تركها خوفا من اللّه ومراقبة، وهو في الباطن بخلاف ذلك، فالفرق بين ترك يتقرب به إليهم ومراءاتهم به، وترك يكون مصدره الحياء منهم، وخوف أذاهم له، وسقوطه من أعينهم، فهذا لا يعاقب عليه، بل قد يثاب عليه إذا كان له فيه غرض بحبه اللّه، من حفظ مقام الدعوة إلى اللّه، وقبولهم منه، ونحو ذلك.

وقد تنازع الناس في الترك، هل هو أمر وجودي، أم عدمي، والأكثرون على أنه وجودي.

وقال أبو هاشم وأتباعه: هو عدميّ، وإنّ المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل، لا على ترك يقوم بقلبه. وهؤلاء رتّبوا الذّمّ والعقاب على العدم المحض، والأكثرون يقولون: إنما يثاب من ترك المحظور على ترك وجودي، يقوم بنفسه، ويعاقب تارك المأمور على ترك وجودي، يقوم بنفسه، وهو امتناعه وكفّه نفسه عن فعل ما أمر به، إذا تبين هذا، فالحسنات التي يثاب عليها كلّها وجودية، فهو سبحانه الذي حبّب الإيمان والطاعة إلى العبد، وزيّنه في قلبه، وكرّه إليه أضدادها. وأما السيئات فمنشؤها من الجهل والظلم، فإنّ العبد لا يفعل القبيح إلا لعدم علمه بكونه قبيحا، أو لهواه وشهوته، مع علمه بقبحه، فالأول جهل، والثاني ظلم، ولا يترك حسنة إلا لجهله بكونها حسنة، أو لرغبته في ضدها، لموافقته هواه وغرضه. وفي الحقيقة فالسيئات كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو كان علمه تاما برجحان ضررها لم يفعلها، فإن هذا خاصة الفعل، فإنه إذا علم أن إلقاءه بنفسه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت