فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 759

مكان عال يضره، لم يقدم عليه، وكذلك لبثه تحت حائط مائل، وإلقاؤه نفسه في ماء يغرق فيه، وأكله طعاما مسموما، لا يفعله لعلمه التام بمضرته الراجحة، بل هذه فطرة فطر اللّه عليها الحيوان بهيمه وناطقه، ومن لم يعلم أن ذلك يضره، كالطفل والمجنون، والسكران الذي انتهى سكره، فقد يفعله.

وأما من أقدم على ما يضره، مع علمه بما فيه من الضرر، فلا بد أن يقوم بقلبه أن منفعته له راجحة، ولا بد من رجحان المنفعة عنده، إما في الظن، وإما في المظنون، ولو جزم راكب البحر بأنه يغرق، ويذهب ماله، لم يركب أبدا، بل لا بدّ من رجحان الانتفاع في ظنه، وإن أخطأ في ذلك. وكذلك الذنوب والمعاصي، فلو جزم السارق بأنه يؤخذ، ويقطع، لم يقدم على السرقة، بل يظن أنه يسلم ويظفر بالمال. وكذلك القاتل والشارب والزاني، فلو جزم طالب الذنب بأنه يحصل له الضرر الراجح، لم يفعله، بل إما أن لا يكون جازما بتحريمه، أو لا يجزم بعقوبته، بل يرجو العفو والمغفرة، وأن يتوب ويأتي بحسنات تمحو أثره.

وقد يغفل عن هذا كله بقوة وإرادة الشهوة، واستيلاء سلطانها على قلبه، بحيث تغيبه عن مطالعة مضرة الذنب؛ والغفلة من أضداد العلم، كالغفلة.

والشهوة أصل الشر كله، قال تعالى، وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) [الكهف] .

وينبغي أن يعلم أن الهوى وحده لا يستقل بفساد السيئات إلا مع الجهل، وإلا فصاحب الهوى لو جزم بأن ارتكاب هواه يضره، ولا بد، ضررا راجحا، لانصرفت نفسه عن طاعته له بالطبع، فإنّ اللّه سبحانه جعل في النفس حبا لما ينفعها وبغضا لما يضرها، فلا تفعل مع حضور عقلها ما تجزم بأنه يضرها ضررا راجحا، ولهذا يوصف تارك ذلك بالعقل والحجى واللب. فالبلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت