فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 759

مركّب من تزيين الشيطان وجهل النفس، فإنه يزين لها السيئات، ويريها أنها في صور المنافع واللذات والطيبات، ويغفلها عن مطالعتها لمضرتها، فتولّد من بين هذا التزيين وهذا الإغفال والإنساء لها إرادة وشهوة، ثم يمدّها بأنواع التزيين، فلا يزال يقوى حتى يصير عزما جازما، يقترن به الفعل، كما زين للأبوين الأكل من الشجرة، وأغفلهما عن مطالعة مضرّة المعصية.

فالتزيين هو سبب إيثار الخير والشر كما قال تعالى: وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43) [الأنعام] وقال: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا (8) [فاطر] وقال في تزيين الخير: وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ (7) [الحجرات] وقال في تزيين النوعين: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) [الأنعام] وتزيين الخير والهدى بواسطة الملائكة والمؤمنين، وتزيين الشر والضلال بواسطة الشياطين من الجن والإنس، كما قال تعالى: وَ كَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (137) [الأنعام] .

وحقيقة الأمر أنّ التزيين إنما يغترّ به الجاهل، لأنه يلبّس له الباطل والضارّ المؤذي صورة الحقّ والنافع الملائم، فأصل البلاء كله من الجهل وعدم العلم. ولهذا قال الصحابة: كلّ من عصى اللّه فهو جاهل، وقال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ (17) [النساء] وقال: وَ إِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) [الأنعام] .

قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن قوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ (17) [النساء] فقالوا: كل من عصى اللّه فهو جاهل، ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت