فهرس الكتاب
المتكلمين: إنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه عن النقائص، وإنما علم بالإجماع.
قبحا لهاتيك العقول فإنها ... عقال على أصحابها ووبال
فليس في العقول أبين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم، وتنزيهه عن العيوب والنقائص، وجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها، وكذلك في الفطر الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها وجزائها بكسبها في غير هذه الدار، وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا تعلم إلا بالرّسل، وكذلك فيها معرفة العدل ومحبته وإيثاره، وأما تفاصيل العدل الذي هو شرع الرب تعالى، فلا يعلم إلا بالرسل، فالرسل تذكر بما في الفطر، وتفصّله وتبيّنه، ولهذا كان العقل الصريح موافقا للنقل الصحيح، والشرعة مطابقة للفطرة، يتصادقان ولا يتعارضان خلافا لمن قال: إذا تعارض العقل والوحي قدّمنا العقل على الوحي:
فقبحا لعقل ينقض الوحي حكمه ... ويشهد حقا أنه هو كاذب
والمقصود أن اللّه فطر عباده على فطرة، فيها الإقرار به ومحبته والإخلاص له والإنابة إليه وإجلاله وتعظيمه، وأن الشخص الخارج عنها لا يحدث فيها ذلك، ويجعلها فيها بعد أن لم يكن، وإنما يذكرها بما فيها، وينبهها عليه، ويحركها له، ويفصله لها، ويبينه ويعرفها الأسباب المقوية والأسباب المعارضة له والمانعة من كماله، كما أنّ الشخص الخارج لا يجعل في الفطرة شهوة اللبن عند الرضاع والأكل والشرب والنكاح، وإنما تذكّر النفس وتحركها لما هو مركوز فيها بالقوة.