الصفحة 1927 من 15232

ولهم كلام طويل، ولكن نحن نقول: إن الله -تعالى- قد وصف المؤمنين بصفات زائدة عن التصديق، مما يدل على أنه لا بد من التصديق مع الأعمال، فلا يكون المؤمن مؤمنا إلا بتلك الأعمال.

الدليل الأول: قوله -تعالى- في سورة الأنفال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} .

فجعل المؤمنين حقا هم المتصفون بهذه الخمسة، ومنها: ما هو عمل بدني كالصلاة، وعمل مالي كالزكاة كالنفقة، وعمل قولي كالذكر، وعمل قلبي كالوجل: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فدل على أن الإيمان يعم هذه الأشياء.

الدليل الثاني: قوله -تعالى-: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} نفى الإيمان عن غيرهم هؤلاء، فأصبح من الإيمان الخرور: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} والتسبيح: التسبيح بحمد الله وعدم الاستكبار، والتجافي: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} والدعاء: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} إلى آخرها، فهذا كله من الإيمان.

الدليل الثالث: قوله -تعالى- في سورة الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فجعل من الإيمان الجهاد، وجعل منه ترك الريب: {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} وجعل منه العمل.

فلا شك أن هذا كله دليل على أن الإيمان شيء زائد على التصديق؛ إذن فيكون الإيمان مثل ما عرفه الموفق -رحمه الله- وهو قول أهل السنة، ذكروا أن البخاري رحمه الله يقول: رويت في هذا الكتاب عن ثلاثمائة من العلماء كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل.

يريد بذلك أن مشياخة الذين أخذ عنهم كلهم على هذا القول: الإيمان قول وعمل. بدأ البخاري كتابه بعد المقدمة التي هي في الوحي بكتاب الإيمان، ثم قال: وهو قول وفعل ويزيد وينقص. ولم يذكر الاعتقاد؛ لأنه لا خلاف في الاعتقاد، هو قول وفعل واعتقاد، +ولما لم يكن الاعتقاد فيه خلاف، أو فلا، وذكر ما فيه الخلاف وهو القول والفعل، أن الإيمان تدخل فيه الأقوال والأفعال، ثم يترتب على ذلك كمال الإيمان ونقصانه وزيادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت