فهرس الكتاب
ولهم كلام طويل، ولكن نحن نقول: إن الله -تعالى- قد وصف المؤمنين بصفات زائدة عن التصديق، مما يدل على أنه لا بد من التصديق مع الأعمال، فلا يكون المؤمن مؤمنا إلا بتلك الأعمال.
الدليل الأول: قوله -تعالى- في سورة الأنفال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} .
فجعل المؤمنين حقا هم المتصفون بهذه الخمسة، ومنها: ما هو عمل بدني كالصلاة، وعمل مالي كالزكاة كالنفقة، وعمل قولي كالذكر، وعمل قلبي كالوجل: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فدل على أن الإيمان يعم هذه الأشياء.
الدليل الثاني: قوله -تعالى-: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} نفى الإيمان عن غيرهم هؤلاء، فأصبح من الإيمان الخرور: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} والتسبيح: التسبيح بحمد الله وعدم الاستكبار، والتجافي: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} والدعاء: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} إلى آخرها، فهذا كله من الإيمان.
الدليل الثالث: قوله -تعالى- في سورة الحجرات: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فجعل من الإيمان الجهاد، وجعل منه ترك الريب: {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} وجعل منه العمل.
فلا شك أن هذا كله دليل على أن الإيمان شيء زائد على التصديق؛ إذن فيكون الإيمان مثل ما عرفه الموفق -رحمه الله- وهو قول أهل السنة، ذكروا أن البخاري رحمه الله يقول: رويت في هذا الكتاب عن ثلاثمائة من العلماء كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل.
يريد بذلك أن مشياخة الذين أخذ عنهم كلهم على هذا القول: الإيمان قول وعمل. بدأ البخاري كتابه بعد المقدمة التي هي في الوحي بكتاب الإيمان، ثم قال: وهو قول وفعل ويزيد وينقص. ولم يذكر الاعتقاد؛ لأنه لا خلاف في الاعتقاد، هو قول وفعل واعتقاد، +ولما لم يكن الاعتقاد فيه خلاف، أو فلا، وذكر ما فيه الخلاف وهو القول والفعل، أن الإيمان تدخل فيه الأقوال والأفعال، ثم يترتب على ذلك كمال الإيمان ونقصانه وزيادته.