فهرس الكتاب
كثير من الحنفية والأشاعرة ونحوهم يعتقدون أن الإيمان شيء واحد، وأنه لا يتفاوت وأن الناس فيه مستوون، وأن إيمان جبريل وميكائيل، ومحمد وموسى، وعيسى إبراهيم -مثل إيمان أطراف الناس، وهذا بلا شك فيه خطأ؛ ذلك لأنهم متفاوتون في العقيدة وقوة اليقين، ومتفاوتون في آثار تلك العقيدة على العباد.
وإذا كانوا متفاوتين دل على أن الإيمان يتفاوت: فنحن نعرف أن هناك إنسانا رزقه الله علما وقراءة وتدبرا، وأقبل على السنة وأقبل على الحديث، وأقبل على القرآن وأخذ يتأمل، وقامت عنده الأدلة، ورسخت في قلبه أدلة الوحدانية وأدلة الربوبية، وأدلة البعث والنشور، وأدلة الأعمال والأحكام، وأدلة الرسل والإيمان بهم والملائكة ونحوهم رسخت في قلبه، وكان من آثار رسوخها أن انبعثت جوارحه، انبعثت بالأعمال فصار لسانه ينطق بالذكر، وصار سمعه لا يسمع إلا الخير، وصار بصره لا يبصر إلا ما فيه الخير، وكان سكوته ذكرا ونطقه ذكرا وعمله خيرا؛ كل ذلك من آثار ما رسخ في قلبه من تلك الأدلة.
هناك آخر: ما سمع إلا القليل، ولا اهتم إلا بالقليل من السنة، ولم يتعلم إلا أطراف المعلومات، ولكنه مع ذلك امتلأ قلبه بالزهو والسهو، امتلأ قلبه بزينة الدنيا وزهرتها والميل إليها، امتلأ قلبه بمحبة الشهوات، فإذا رأيته لا تسمعه يذكر الله إلا قليلًا، ولا ترى جوارحه تنطق ولا تنطلق إلا قليلًا بالأعمال الصالحة، بل هو ضد ذلك لا يذكر إلا ما يشتهيه، وما يميل إليه ولا ينطلق إلا إلى هوى نفسه، أعماله الصالحة قلة وقليلة، فهل يقال: إنهما سواء، هل يقال: إن إيمان هذا وإيمان هذا مستويان؟ الذي يقول ذلك ما معه فكر.
نعود إلى كلام الموفق، قوله:"إن الإيمان قول باللسان"يدخل في ذلك الأذكار هي من الإيمان، فإذا قلت: سبحان الله والحمد لله، والله أكبر وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا الله إلا الله، وأعوذ بالله وبسم الله والله ربنا. أليس هذا من الإيمان؟ هذا من الإيمان، وهو قول اللسان، وكذلك إذا دعوت إلى الله ودعوت إلى الخير وعلمت الناس الخير، وكذلك إذا قرأت كتاب الله وتلوته كل نطق تنطق به، وهو يدل على الخير فإنه من الإيمان.
يقال: هذه الكلمة إيمان، هذه التهليلة إيمان، وهذه التسبيحة من الإيمان، قول باللسان واعتقاد بالجنان -بالقلب-، الاعتقاد: ما انعقد عليه القلب، وتمسك به العقد، أصله انعقاد القلب على الشيء وعدم التردد في ثبوته، فإذا اعتقد قلبك ثبوت البعث فهذا من الإيمان.