فهرس الكتاب
وكل شيء قبل الزيادة فإنه يقبل النقصان، والدين اسم للإيمان، وتعرفون حديث جبريل المشهور سأل فيه عن الإسلام، ففسر بالأعمال الظاهرة، ثم سأل عن الإيمان، ففسر بالأعمال الباطنة.
يعني: لما أقول: إن مع الإسلام الإيمان، فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بأعمال القلب، ثم سأل عن الإحسان ففسر بالمراقبة والمشاهدة، ثم أخبر بأن هذا كله من الدين، قال: يعلمكم دينكم فصار الإسلام والإيمان والإحسان كله من الدين، وإذا قلت: هل هناك فرق بين الإسلام والإيمان؟.
فيه انتباه أو ترتيب، فيقال: إذا قرنا جميعا -ذكر الإسلام والإيمان جميعا- فإن الإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان أعمال القلب، وأما إذا اقتصر على واحد منهما فإنه يعم الجميع، لكن قد يشكل على الإنسان بعض الأدلة، مثل قوله -تعالى- في سورة الحجرات: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} .
قد كثر الكلام حول هذه الآية ولا إشكال فيها -والحمد لله-؛ وذلك لأن هؤلاء الأعراب أسلموا -يعني: استسلموا ظاهرا- والإيمان لا بد أنه يصير نابعا من القلب، وهؤلاء لم يصل الإيمان الحقيقي إلى قلوبهم؛ لأجل ذلك قال: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} فجعلهم مرتابين -في قلوبهم ريب- فأثبت لهم الإسلام ونفى عنهم الإيمان: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} .
وذلك لأنهم استسلموا ظاهرا وقلوبهم مترددة -يعبدون الله على حرف، فإن أصابهم خير اطمأنوا به، وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم- فهؤلاء نفى الله عنهم الإيمان؛ لأن الإيمان ينبع من القلب ويؤثر على الأبدان: يؤثر على السمع، ويؤثر على البصر، ويؤثر على اليد، ويؤثر على الرجل، ويؤثر على اللسان، وهؤلاء إنما أعمالهم ظاهرة أنهم مسلمون ولكن ليس معهم دافع الإيمان.
أما قوله -تعالى- في سورة الذاريات: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} يعني: قوم لوط، البيت: هم أهل بيت لوط، لا شك أن لوطا وأهل بيته ما عدا امرأته أنهم جمعوا بين الوصفين -جمعوا بين وصف الإيمان والإسلام-: الإيمان الباطن، والإسلام الظاهر ولو كان أحدهما يكفي عن الآخر.
والحاصل: أنا إذا رأينا الإسلام مطلقا فسرناه بالإيمان وبالأعمال كلها، وإذا رأينا الإيمان وحده فسرناه بالإسلام وبالأعمال كلها، وإذا ذكرا معا فأحدهما أخص من الآخر، فالأعم هو الإسلام، وأخص منه الإيمان، وأخص من الإيمان الإحسان.
بسم الله الرحمن الرحيم ,الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.