فهرس الكتاب
ومعنى لا تحرموا لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدًا منكم وتقشفًا {ولا تعتدوا} أي ولا تجاوزوا الحد الذي حد عليكم في تحليل أو تحريم، أو ولا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم، أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات {إن الله لا يجب المعتدين} حدوده {وكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا} حلالًا حال ما رزقكم الله.
ـ قوله: (أخبرنا محمد بن يوسف) هو الضبي الفريابي، (أخبرنا أبو إسحاق) هو السبيعي (عن عمرو بن شرحبيل) الهمداني أبي ميسرة الكوفي ثقة عابد مخضرم.
قوله: (بيان شفاء) بالإضافة أي بيانًا شافيًا {يسألونك عن الخمر والميسر} أي القمار يعني ما حكمهما {قل} لهم {فيهما} أي في تعاطيهما {إثم كبير} أي عظيم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش الاَية، أي ومنافع للناس باللذة والفرح في الخمر وإصابة المال بلا كد في الميسر {وإثمهما} أي ما ينشأ عنهما من المفاسد {أكبر} أعظم {من نفعهما} لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الاَثام من وجوه كثيرة (فقرئت عليه) أي الاَية المذكورة {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم لعداوة والبغضاء في الخمر والميسر} وبعده {ويصدكم} : عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (فقال) أي عمر (انتهينا انتهينا) أي عن إتيانهما أو عن طلب البيان الشافي والظاهر هو الأول. وفي رواية أبي داود فنزلت هذه الاَية {فهل أنتم منتهون} .
قال الطيبي: فنزلت هذه الاَية يعني قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} الاَيتين وفيهما دلائل سبعة على تحريم الخمر: أحدها قوله (رجس) والرجس هو النجس وكل نجس حرام، والثاني قوله (من عمل الشيطان) وما هو. من عمله حرام. والثالث: قوله (فاجتنبوه) وما أمر الله تعالى باجتنابه فهو حرام. والرابع: قوله (لعلكم تفلحون) وما علق رجاء الفلاح باجتنابه فالإتيان به حرام والخامس قوله: (يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين فهو حرام. والسادس قوله(يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) وما يصد به الشيطان عن ذكر الله وعن الصلاة فهو حرام: والسابع قوله: (فهل أنتم منتهون) معناه انتهوا وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه فالإتيان به حرام انتهى.
قوله: (وقد روي عن إسرائيل مرسلًا) أي روي عنه عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل بلفظ: أن عمر بن الخطاب قال اللهم إلخ، كما بينه الترمذي بعد هذا.
(حدثنا محمد بن العلاء) كنيته أبو كريب وهو مشهور بها (عن أبي ميسرة) هو كنيته عمرو بن شرحبيل المذكور في الإسناد المتقدم (وهذا أصح من حديث محمد بن يوسف) أي حديث وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل بلفظ أن عمر بن الخطاب قال أصح من حديث محمد بن يوسف عن أبي إسحاق عن عمر، وبلفظ عن عمر بن الخطاب أنه قال، لأن وكيعًا أحفظ من محمد بن يوسف.
قلت: فيه أن محمد بن يوسف لم ينفرد بلفظ عن عمر بل قد تابعه على هذا اللفظ إسماعيل بن جعفر عند أبي داود وخلف بن الوليد عند أحمد. وحديث عمر هذا أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والنسائي. وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث صححه علي بن المديني والترمذي وكذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره.
ـ قوله: (فلما حرمت) قال الحافظ: والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان. وذكر روايات تدل على ذلك {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} أي لا حرج عليهم ولا إثم عليهم فيما شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار في وقت الإباحة قبل التحريم.
قال ابن قتيبة: يقال لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نومًا. قال الشاعر:
فإن شئت حرمت النساء سواكمووإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا
النقاخ الماء، والبرد النوم {إذا ما اتقوا} أي إذا ما اتقوا الشرك، وقيل اتقوا ما حرم الله عليهم {وآمنوا} يعني بالله ورسوله {وعملوا الصالحات} أي ازدادوا من عمل الصالحات ثم {اتقوا وآمنوا} أي اتقوا الخمر والميسر بعد التحريم. فعلى هذا تكون الأولى إخبارًا عن حال من مات وهو يشربها قبل التحريم أنه لا جناح عليه، والثانية خطاب من بقي بعد التحريم أمروا باتقائها والإيمان بتحريمها. {ثم اتقوا} : أي ما حرم عليهم في المستقبل، {وأحسنوا} : أي العمل، وقيل المراد بالاتقاء