الصفحة 4918 من 15232

للشهادة، {وحين الوصية} : بدل منه، {ذوا عدل منكم} : يعني من أهل دينكم وملتكم يا معشر المؤمنين. وقيل معناه من أقاربكم وهما صفتان لاثنان.

واختلفوا في هذين الاثنين، فقيل هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي، وقيل هما الوصيان لأن الاَية نزلت فيهما ولأنه قال تعالى: فيقسمان بالله. والشاهد لا يلزمه يمين وجعل الوصي اثنين تأكيدًا، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور كقولك شهدت وصية فلان بمعنى حضرت، أو آخران: كائنان من غيركم يعني من غير أهل دينكم وملتكم وهم الكفار، وقيل من غير عشيرتكم وقبيلتكم وهم مسلمون، والأول هو الأنسب بسياق الاَية، وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس وغيرهما، فيكون في الاَية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني. ويشهد له السبب للنزول، فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته فليشهد رجلان من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهد به حق فيحكم حينئذ بشهادتهما فإن عثر: بعد ذلك: على أنهما، كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصى وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها، هذا معنى الاَية عند من تقدم ذكره. وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي والثوري وأبو عبيدة وأحمد بن حنبل، وذهب إلى الثاني أعني تفسير ضمير منكم بالقرابة أو العشيرة.

وتفسير غيركم بالأجانب الزهري والحسن وعكرمة، وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء إلى أن الاَية منسوخة، واحتجوا بقوله {ممن ترضون من الشهداء} وقوله {وأشهدوا ذوي عدل منكم} والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول، وخالفهم الجمهور فقالوا الاَية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح على النسخ.

وأما قوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} وفهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الاَية خاصة بحالة الضرب في الأرض والوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض بين خاص وعام {إن أنتم ضربتم} أي سافرتم، والظاهر أن هذا الشرط قيد في قوله آخران من غيركم فقط. والمعنى ينبغي أن يشهد اثنان منكم فإن تعذر كما في السفر فمن غيركم وقيل هو قيد في أصل شهادة وذلك أنسب على تقدير تفسير الاَية باتخاذ الوصيين في الأرض {فأصابتكم مصيبة الموت} يعني فنزل بكم أسباب الموت فأوصيتم إليهما ودفعتم ما لكم إليها، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا في أمرهما وادعوا عليهما خيانة، فالحكم فيه أنكم تحبسونهما: أي ترقفونهما وهو استئناف كلام أو صفة لقوله أو آخران من غيركم أي وآخران من غيركم محبوسان والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه وآخران من غيركم اعتراض بين الصفة والموصوف من بعد الصلاة أي من بعد صلاة العصر، وبه قال عامة المفسرين. ووجهه ذلك أن هذا الوقت كان معروفًا عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت وذلك لقربه من غروب الشمس، فيقسمان: أي الشاهدان على الوصية أو الوصيان بالله إن ارتبتم أي إن شككتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما، وبهذا يحتج من يقول الاَية نازلة في إشهاد الكفار لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع.

ومن قال الاَية نازلة في حق المسلم قال إنها منسوخة، وقوله إن ارتبتم: اعتراض بين يقسمان وجوابه وهو لا نشتري به أي بالقسم ثمنًا: أي لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة، ولو كان ذا قربى: أي ولو كان المشهود له أو المقسم له ذا قرابة منا، ولا نكتم شهادة الله: إنما أضاف الشهادة إلى الله سبحانه لأنه أمر بإقامتها ونهى عن كتمانها {إنا إذًا لمن الاَثمين} يعني إن كتمنا الشهادة أو خنا فيها، {فإن عثر} : يقال عثر على كذا اطلع عليه ويقال عثرت منه على خيانة أي اطلعت وأعثرت غيري عليه ومنه قوله تعالى: {وكذلك أعثرنا عليهم} وأصل العثور: الوقوع والسقوط على الشيء، وقيل الهجوم على شيء لم يهجم عليه غيره وكل من اطلع على أمر كان قد خفي عليه قيل له قد عثر عليه. والمعنى أنه إذا اطلع وظهر بعد التحليف على أنهما أي الشاهدين أو الوصيين على الخلاف في أن الاثنين وصيان أو شاهدان على الوصية استحقا إثمًا: أي فعلًا ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت