الصفحة 549 من 704

واعلم أنّ اللبن أسرع الأشياء كلّها استحالة وتغيرًا إذا نالته حرارة الهواء، فتحلله عن كيفيته التي أخذها. واللبن مركب من ثلاثة جواهر: جُبْنية، ومائية، وزُبْدية. فإذا تميزت هذه الجواهر، وفارق بعضها بعضًا، صار لكلّ واحد منها فعل خاصّ، من غذاء ودواء. والألبان تختلف اختلافًا ليس بيسير، من قِبَل الوقت الحاضر، ومن قبَل أصناف الحيوانات، ولذلك إن لبن البقر أغلظ الألبان كلُّها وأدسمها، ولبن الإبل أرطب الألبان كلّها وأقلّها دسمًا، وبعد لبن الإبل لبن الخيل، وبعدها لبن الأُتن. فأما لبن المعزّ فمعتدل بين الغلظ والرقَّة، ولبن النعاج أغلظ منه. واللبن يكون عقيب الولادة أرطب من سائر الألبان، وكلما مضى عليه الزمان غلظ، ولا يزال يغلظ أوّلًا فأولًا، وفي وسط الصيف يكون في حال وسط، من طبيعته، ومن بعد هذا الوقت لا يزال يغلظ حتى ينقطع أصلًا، كما أنه يكون في الربيع رطبًا جدًّا، ولذلك إن اللبن الأرطب يطلق البطن أكثر، واللبن الأغلظ يطلقه أقلّ، واللبن الأغلظ يغذو كثيرًا، واللبن الأرقّ يغذو أقلّ. ومن طبخ اللبن قبل شربه حتى يفنى ماؤه لم يطلق البطن بتّة، فإن ألقى فيه حصى مُحمّى حتى ينقى من الماء، صار يشفي من عرض له في معدته لذع من فَضْل حادّ، وكذلك إن ألقى فيه قطع الحديد محماة كان فعله أقوى. واللبن كله جيد الكَيموس، مغذّ ملَين للبطن، نافع للمعدة والأمعاء. ولبن الربيع أكثر مائيّة من لبن الصيف، ولبن المرتَعِي من الحيوانات النبات الطريّ أشدّ تليينًا من لبن المرتِعي النبات اليابس. واللبن الجيد ما كان مستوي الثِّخَن، وإذا قطر على الظفر كان مجتمعًا ولم يتبدّد. والمرتعِي شجرِ السَّقَمونيا والخَرْبَق وما أشبهه مفسد للمعدة والأمعاء، وليُحذر لبن الحيوان السقيم. ولبن الحيوان الأبيض ضعيف. وحيوانه ضعيف في نفسه، والأسود أقوى، ولبنه أجود، وهو أبطأ انحدارًا، والمتولد عن رعي الأدوية المسهلة يسهل. وأجود الألبان المتناهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت