فهرس الكتاب
4 -زعم الشيخ أني لا أعلم الحكم الصحيح في الديار.
فأقول بل أنت لا تفرق بين الديار التي طرأ عليها الكفر فصارت دار كفر، وبين ديار الكفار الأصليين، وتجعل الأصل في كلا الدارين الكفر، وهذا من الإعتداء والظلم المبين على أصحاب الديار التي طرأ عليها الكفر، وهو حق في ديار الكفر الأصلية التي يغلب على أهلها الكفر. وتنطلق في أحكامك من تعريفاتٍ نظرية من غير النظر في الواقع، مع أن المعتبر في هذه المسألة واقع الناس لا مجرد التعريفات التي تذكرها.
وقد تقدم مرارًا قول شيخ الإسلام في أهل ماردين ووصفه لتلك الدار بأنها دار مركبة.
يقول الشيخ أبو محمد المقدسي فكَّ الله أسره:
"ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير؛ التكفير بناء على قاعدة (الأصل في الناس الكفر) لأن الدار دار كفر ومعاملتهم واستحلال دماءهم وأموالهم وأعراضهم بناء على هذه القاعدة، التي أصلوها تفريعًا على أن الدار دار كفر، وهذا أمر منتشر بين كثير من الغلاة، وقد تحمله بعض الجهال عنهم دون أن يعرفوا أصله وتبعاته، ونحن ولله الحمد والمنة لم نقل بهذا التأصيل ولا تبنيناه في يوم من الأيام، بل كنا -ولازلنا- من أشد المنكرين له، حتى كفرني بعض غلاة المكفرة، لما خالفتهم فيه، وناظرتهم في إبطاله، ويومها لم أجد عندهم ما يحتجون به لتأصيلهم هذا، إلا عبارة مبتورة لشيخ الإسلام ابن تيمية اقتطعوها من فتوى له حول بلدة ماردين، وهي قوله فيها: (ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار) وقد حرفوها فجعلوها (دار الكفر التي أهلها كفار) فخرجوا من ذلك أن كل دار كفر -ولو كانت طارئة حادثة لا أصلية- فأهلها كلهم كفار، إلا من عرفوا تفاصيل معتقده .. وقد بينت لهم يومها أن هذه اللفظة -خصوصًا في ماردين وأمثالها من دور الكفر الطارئة- ما هي إلا اصطلاح للفقهاء للدار التي غلب عليها الكفار وعلتها أحكامهم .. ولا دخل لقاطنيها بوصف الكفر إلا من ارتكب سببًا من أسباب التكفير .. وذكرت لهم بعض التفصيل الآتي، ولكنهم لم يرفعوا بذلك رأسًا، وأصروا على التمسك بتلك العبارة .. فعجبت كيف يقلب الهوى الموازين، ويجعل من يقر بعدم حجية قول الصحابي ولا يقبل قول غيره من أهل القرون الثلاثة المفضلة في فرع من الفروع، يحتج بقول مبتور مقتطع من كلام عالم في القرن السابع، وفي مسألة هي من أخطر أبواب الدين"