فهرس الكتاب
ولا هي أيضا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار ولم تكن يوما دار إسلام ولا كان جمهور أهلها مسلمين .. فهي إذن ليست دار كفر أصلية، بل قد كانت قبل تغلب الكفار عليها دار إسلام وجمهور أهلها من المسلمين .. ولذلك لم ينط الحكم على أهلها ومعاملتهم تبعًا لشيء من تلك الاصطلاحات لعدم انضباطها، بل من أظهر الإسلام عصم ماله ودمه وعومل معاملة المسلمين، ومن خرج عن شريعة الإسلام عومل بما يستحقه .. فكلامه -رحمه الله- واضح لا لبس فيه ..
ولكن الأمر كما ذكر -رحمه الله- في موضع غير هذا .. أن اجتماع الشهوة مع الشبهة يقوي الدافع إلى الشبهة ويورث فساد العلم والفهم ..
والقوم وجدوا في ذلك الفهم السقيم، ما يثبت شبهاتهم ويسوغ شهواتهم (الغنائمية)
فتمسكوا بقوله (ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار) ؛ فجعلوا الكفر هو الأصل في أهل كل دار تدخل تحت اصطلاح دار الكفر ولو كان وصف الكفر فيها طارئا لغلبة الكفار على أحكامها .. فكفروا أهلها كلهم ولو كان جمهورهم من المنتسبين للإسلام .. وتمسكوا بذلك وأصروا عليه ..
هذا وقد كنت تتبعت قديمًا مصطلح دار الكفر ودار الإسلام وجمعت أقوال كثير من العلماء وتعريفهم للدار، ونظرت في أثر هذا الاصطلاح عندهم على قاطنيها، فلم أجد عند أحد من العلماء المحققين شيئا من هذا الذي رامه هؤلاء .. خصوصًا في دار الكفر الطارئة التي كان جمهور أهلها مسلمين ..
نعم وجدت شيئًا شبيها بمقالاتهم .. عند بعض طوائف الخوارج الضلال ..
فالأزارقة أصحاب (نافع بن الأزرق) قالوا: (إن من أقام في دار الكفر فهو كافر، لا يسعه إلا الخروج) ، ومعلوم أنهم يرون أن دار مخالفيهم من المسلمين دار كفر.
والبيهسية والعوفية قالوا: (إذا كفر الإمام كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد) وهذا كله من سخفهم وجهلهم، وسنأتي على ذكره في الفصل الرابع من هذا الكتاب ..
أما العلماء المحققين، فقد تدبرت أقوال كثير منهم، فلم أجد عندهم شيئا من هذه الإطلاقات؛ ولا يعكر على إطلاقي هذا ما ورد في أحكام القرآن للجصاص وغيره، مما قد يظنه المتعجل شبيهًا بذلك، فليس هو من هذا