"ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير؛ التكفير بناء على قاعدة (الأصل في الناس الكفر) لأن الدار دار كفر ومعاملتهم واستحلال دماءهم وأموالهم وأعراضهم بناء على هذه القاعدة، التي أصلوها تفريعًا على أن الدار دار كفر، وهذا أمر منتشر بين كثير من الغلاة، وقد تحمله بعض الجهال عنهم دون أن يعرفوا أصله وتبعاته، ونحن ولله الحمد والمنة لم نقل بهذا التأصيل ولا تبنيناه في يوم من الأيام، بل كنا - ولازلنا - من أشد المنكرين له، حتى كفرني بعض غلاة المكفرة، لما خالفتهم فيه، وناظرتهم في إبطاله، ويومها لم أجد عندهم ما يحتجون به لتأصيلهم هذا، إلا عبارة مبتورة لشيخ الإسلام ابن تيمية اقتطعوها من فتوى له حول بلدة ماردين، وهي قوله فيها: (ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار) وقد حرفوها فجعلوها (دار الكفر التي أهلها كفار) فخرجوا من ذلك أن كل دار كفر -ولو كانت طارئة حادثة لا أصلية- فأهلها كلهم كفار، إلا من عرفوا تفاصيل معتقده .. وقد بينت لهم يومها أن هذه اللفظة -خصوصًا في ماردين وأمثالها من دور الكفر الطارئة- ما هي إلا اصطلاح للفقهاء للدار التي غلب عليها الكفار وعلتها أحكامهم .. ولا دخل لقاطنيها بوصف الكفر إلا من ارتكب سببًا من أسباب التكفير .. وذكرت لهم بعض التفصيل الآتي، ولكنهم لم يرفعوا بذلك رأسًا، وأصروا على التمسك بتلك العبارة .. فعجبت كيف يقلب الهوى الموازين، ويجعل من يقر بعدم حجية قول الصحابي ولا يقبل قول غيره من أهل القرون الثلاثة المفضلة في فرع من الفروع، يحتج بقول مبتور مقتطع من كلام عالم في القرن السابع، وفي مسألة هي من أخطر أبواب الدين، عندما يظن أن ذلك القول يوافق هواه، أو يحقق رغبته وحاجته .. !! مع أنهم يقرون بأن جميع الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتج لكلامهم ولا يحتج به، ويحتاج إلى الدليل والبرهان وليس هو وحده بدليل ولا برهان .."
وقد بين الله عز وجل بعض دوافع النفس وأهوائها، في الاندفاع نحو التكفير والتسرع فيه أحيانًا، في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} ؛ فقال: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا} .. وكذلك كانت رغبات أولئك الأغرار الذين كنت أناظر بعضهم، فقد كانوا يتحينون أسهل وأقرب فرصة لانتهاب أو سرقة ما يقع تحت أيديهم من أموال وممتلكات من حكموا عليهم بالكفر، حتى وإن كانوا من الدعاة والمجاهدين، أو من المسلمين المستضعفين، فأموالهم عندهم غنائم، وقد شاهدت من ذلك أمثلة، وفي آخر الأمر اقتتلوا هم فيما بينهم واختلفوا على بعض الأموال .. !!