خصوصا في أمثال من تسلطوا عليهم من المستضعفين أو الدعاة والمؤمنين غير الممتنعين بشوكة الطواغيت أو أنظمتهم وقوانينهم .. وأنه لا يلزم من الحكم على الفعل أو القول بالكفر، تكفير المعين -كما تقدم- ومن ثمَّ فلا تترتب على الحكم آثاره التي يهوونها ويشتهونها ويبتغونها ..
أضف إلى هذا أن جمهور العلماء، بل ذكر ابن المنذر إجماعهم؛ على أن مُلك المرتد لا يزول بمجرد ردته [1] إذا كانت ردته غير مغلظة ولا كان ممتنعًا، فإنه يستتاب والحالة كذلك، وقد يرجع إلى الإسلام.
وكل من تأمل فتوى شيخ الإسلام التي اجتزؤوا منها حجتهم، وجدها من أولها إلى آخرها حجة عليهم، فقد سئل -رحمه الله- عن بلدة ماردين التي احتلها التتار وتغلبوا عليها وفيها أناس مسلمون ... . فأجاب -رحمه الله-: (الحمد لله دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها ... والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه، وإلا استحبت ولم تجب ... ) إلى قوله: (ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم [2] وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة: فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيه بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه) أهـ. مختصرًا من مجموع الفتاوى (28/ 135) .
فهو يقرر:
-أن دماء المسلمين وأموالهم، الأصل الأصيل فيها؛ هو الحرمة والعصمة حيث كانوا، ولا دخل للدار أو البلدة في ذلك، بل مناط تلك العصمة إظهار المرء للإسلام، لا إظهار الدار للإسلام.
(1) انظر المغني (كتاب المرتد) ، (فصل: ولا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته .. ) .
(2) أي أن مناط تلك الصفات ليس هو الدار، بل وجود تلك الصفات أو موجبها في الشخص نفسه في أي بلد كان.