الفصل الثاني
(موقف البلاغيين من المعمى)
اختلفت المواقف من هذا الفن فتوزعت بين مؤيد له ورافض قال الاصمعي (( ليس في الانتفاع بثمرته عوض مما ينال من الحسور فيه ) ) [1] ووافقه ابو الحسن الماوردي الذي رأى انه تحدي اهل الفراغ وشغل ذوي البطالة الذين يتنافسون في تباين قرائحهم وانه لايكسبهم حمدا ولايجدي عليهم نفعا [2] , فيما ذهب آخرون الى اخراجه من دائرة الفصاحة فذهب الخفاجي الى ان المعتبر في علم البيان هو اظهار المراد ولما كان المعمى يقوم على ستر المراد واخفاءه فقد اخرجه من الكلام الفصيح لكنه قبله على شرط كونه على وجه لاتنبو عنه الاذهان المستقيمة ولا تمجها الاذواق السليمة [3] كما ذهب صاحب الطراز الى انه لايتعلق به كبير بلاغة ولا عظيم فصاحة لكنه لم ينكر قدرة ناظمها على التفنن في الكلام واتساعه فيه وقوته في تصريف الالفاظ فيما وصفهابن الاثير بانه بين بين [4] ـ ولا نعلم كيف يكون الكلام بين بين ـ فلا هو فصيح ولا هو ركيك, ومال باحث الى ما ذهب اليه الخفاجي بان المعمى انما هو مذهب مفرد وطريقة اخرى في الكلام إذ خالف وضعه وضع الكلام [5] ورأى ان مذهبه هذا يوافق مذهب السيوطي الذي قال بان من الالغاز الفاظ وضعتها العرب وقصدت الالغاز بها.
فيما وجد فيه آخرون رياضة فكرية ووسيلة من الوسائل التي افاد منها العربي في بعض ظروف حياته قال ابن وهب الكاتب (( الفائدة في ذلك في العلوم الدنيوية رياضة الفكر في تصحيح المعاني, واخراجها عن المناقضة والفساد الى معنى الصواب والحق, وقدح الفطنة في ذلك, واستنجاد الرأي في استخراجه ) ) [6] كما ذهب الى الافادة منها في الدين ايضا يقول (( والفائدة في استعمال ذلك في الدين المعارضة التي
(1) جمهرة اللغة 3/ 504 ولم يعرف قائل البيت ينظر كتب الالغاز 124.
(2) (سر الفصاحة 217ـ218
(3) (مفتاح السعادة ومصباح السيادة ج1ص273
(4) المثل السائر3/ 86.
(5) الطرازج3ص62ـ 63.
(6) م. ن ج3ص62ـ 63.