87.الجمع في السفر راكبا. [1]
88.الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) . [2]
(1) (التحديث) قال ابن القيم في الهدي:"ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم الجمع راكبا في سفره كما يفعله كثير من الناس ولا الجمع حال نزوله أيضا وإنما كان يجمع إذا جد به السير وإذا سار عقيب الصلاة كما ذكرنا في قصة تبوك وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم ينقل ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف كما قال الشافعي رحمه الله وشيخنا ولهذا خصه أبو حنيفة بعرفة وجعله من تمام النسك ولا تأثير للسفر عنده فيه وأحمد ومالك والشافعي جعلوا سبب السفر ثم اختلفوا فجعل الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه التأثير للسفر الطويل ولم يجوزاه لأهل مكة وجوز مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه لأهل مكة الجمع والقصر بعرفة واختارها شيخنا وأبو الخطاب في عباداته ثم طرد شيخنا هذا وجعله أصلا في جواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره كما هو مذهب كثير من السلف وجعله مالك وأبو الخطاب مخصوصا بأهل مكة ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل سفر وأما ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه منها شيء البتة والله أعلم"
(2) (التحديث، خاتمة سفر السعادة، المغني عن الحفظ) قال الحافظ بن حجر في تخريج أحاديث الهداية الذي يتحصل من البسملة أقوال أحدها أنها ليست من القران أصلا إلا في سورة النمل وهذا قول مالك وطائفة من الحنفية ورواية عن أحمد، ثانيها أنها آية من كل سورة أو بعض آية كما هو المشهور عن الشافعي ومن وافقه وعن الشافعي أنها آية من الفاتحة دون غيرها وهو رواية عن أحمد، ثالثها أنها آية من القران مستقلة برأسها وليست من السور بل كتبت في كل سورة للفصل فقد روى مسلم عن المختار بن فلفل عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقد أنزلت علي سورة آنفا ثم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر} أخرجه مسلم، وعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم أخرجه أبو داود والحاكم وهذا قول ابن المبارك وداود وهو المنصوص عن أحمد وبه قال جماعة من الحنفية، وقال أبو بكر الرازي هو مقتضى المذهب، وعن أحمد بعد ذلك روايتان أحدهما أنها من الفاتحة والثاني لا فرق وهو الأصح ثم اختلفوا في قراءتها في الصلاة فعن الشافعي ومن تبعه تجب وعن مالك يكره وعن أبي حنيفة تستحب وهو المشهور عن أحمد، ثم اختلفوا فعن الشافعي يسن الجهر وعن أبي حنيفة لا يسن وعن إسحاق يخير انتهى كلامه.
ثم مع قراءتها هل يسن الجهر بها أو لا فيه ثلاثة أقوال أحدها يسن الجهر وبه قال الشافعي ومن وافقه والثاني لا يسن الجهر وبه قال أبو حنيفة وجمهور أهل الحديث والرأي وفقهاء الأمصار وجماعة من أصحاب الشافعي وقيل مخير بينهما وهو قول إسحاق بن راهويه وابن حزم كذا في نصب الرواية قلت قد ثبت قراءة البسملة في الصلاة بأحاديث صحيحة وهي حجة على الإمام مالك وإسرار بها عندي أحب من الجهر بها والله تعالى أعلم
فائدة قال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة سفيان الثوري ما لفظه اللالكائي في السنة نا المخلص نا أبو الفضل شعيب بن محمد نا علي بن حرب بن بسام سمعت شعيب بن جرير يقول قلت لسفيان الثوري حدث بحديث السنة ينفعني الله به فإذا وقفت بين يديه قلت يا رب حدثني بهذا سفيان فأنجو أنا وتؤخذ قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم القران كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود من قال غير هذا فهو كافر وإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص إلى أن قال يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى المسح على الخفين وحتى ترى أن إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر به إلى أن قال إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن هذا فقل يا رب حدثني بهذا سفيان الثوري ثم خل بيني وبين الله عز وجل قال الذهبي هذا ثابت عن سفيان وشيخ لمخلص ثقة انتهى
وقال في تهذيب التهذيب ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه في ترك الجهر بالبسملة وعنه أبو نعامة الحنفي قيل اسمه يزيد قلت ثبت كذلك في مسند أبي حنيفة للبخاري انتهى وقد أطال الحافظ الزيلعي الكلام على هذا الحديث في نصب الراية ثم قال وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالتسمية وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن وقد حسنه الترمذي والحديث الحسن يحتج به لا سيما إذا تعددت شواهده وكثرت متابعاته انتهى كلامه قلت لم أجد ترجمة يزيد بن عبد الله بن مغفل فإن كان ثقة قاب للاحتجاج فالأمر كما قال الزيلعي من أن هذا الحديث لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن وإلا فهو ضعيف
قال في نيل الأوطار، باب ما جاء في بسم الله الرحمن الرحيم، عن أنس بن مالك قال صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم رواه أحمد ومسلم، وفي لفظ صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط الصحيح، ولأحمد ومسلم صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها ولعبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن شعبة عن قتادة عن أنس قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم قال شعبة فقلت لقتادة أنت سمعته من أنس قال نعم نحن سألناه عنه، وللنسائي عن منصور بن زاذان عن أنس قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما، ورواية فكانوا لا يجهرون أخرجها أيضا ابن حبان والدارقطني والطحاوي والطبراني، وفي لفظ لابن خزيمة كانوا يسرون، وقوله كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين هذا متفق عليه وإنما انفرد مسلم بزيادة لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم وقد أعل هذا اللفظ بالاضطراب لأن جماعة من أصحاب شعبة رووه عنه بهذا وجماعة رووه عنه بلفظ فلم أسمع أحدا منهم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وأجاب الحافظ عن ذلك بأنه قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين، وأخرجه البخاري في جزء القراءة والنسائي وابن ماجه عن أيوب وهؤلاء والترمذي من طريق أبي عوانة والبخاري فيه وأبو داود من طريق هشام الدستوائي والبخاري فيه وابن حبان من طريق حماد بن سلمة والبخاري فيه والسراج من طريق همام كلهم عن قتادة باللفظ الأول، وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعي عن قتادة بلفظ لم يكونوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، ورواه أبو يعلى والسراج وعبد الله بن أحمد عن أبي داود الطيالسي عن شعبة بلفظ فلم يكونوا يفتتحون القراءة إلى آخر ما ذكره المصنف، وفي الباب عن عائشة عند مسلم وعن أبي هريرة عند ابن ماجه وفي إسناده بشر ابن رافع وقد ضعفه غير واحد وله حديث آخر عند أبي داود والنسائي وابن ماجه.
وقد استدل بالحديث من قال إنه لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وهم ما حكاه ابن سيد الناس في شرح الترمذي علماء الكوفة ومن شايعهم قال وممن رأى الإسرار بها عمر وعلي وعمار، وقد اختلف عن بعضهم فروي عنه الجهر بها وممن لم يختلف عنه أنه كان يسر بها عبد الله ابن مسعود وبه قال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين والحسن وابن سيرين وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وروي عنهما الجهر بها وروي عن علي أنه كان لا يجهر بها وعن سفيان وإليه ذهب الحكم وحماد والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد وحكي عن النخعي وروي عن عمر قال أبو عمر من وجوه ليست بالقائمة أنه قال يخفي الإمام يقول بالجهر ثم رجع إلى الإسرار وحكاه غيره عن ابن المبارك وأبي ثور، وذكر البيهقي في الخلافيات أنه اجتمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حكاه عن أبي جعفر الهاشمي ومثله في الجامع الكافي وغيره من كتب العترة، وقد ذهب جماعة من أهل البيت إلى الجهر بها في الصلاة السرية والجهرية، وذكر الخطيب عن عكرمة أنه كان لا يصلي خلف من لا يجهر بالبسملة، وعن أبي جعفر الهاشمي مثله وإليه ذهب الشافعي وأصحابه ونقل عن مالك قراءتها في النوافل في فاتحة الكتاب وسائر سور القرآن، وقال طاوس تذكر فاتحة الكتاب ولا تذكر في السورة بعدها.
وحكي عن جماعة أنها لا تذكر سرا ولا جهرا وأهل هذه المقالة منهم القائلون إنها ليست من القرآن، وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن ابن أبي ليلى والحكم أن الجهر والإسرار بها سواء فهذه المذاهب في الجهر بها والإسرار وإثبات قراءتها ونفيها
واحتج القائلون بالجهر بها في الصلاة الجهرية بأحاديث منها حديث أنس وحديث أم سلمة، ومنها حديث ابن عباس عند الترمذي والدارقطني بلفظ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم قال الترمذي هذا حديث ليس إسناده بذاك وفي إسناده إسماعيل بن حماد قال البزار إسماعيل لم يكن بالقوي، وقال العقيلي غير محفوظ وقد وثق إسماعيل يحيى بن معين، وقال أبو حاتم يكتب حديثه وفي إسناده أبو خالد الوالبي اسمه هرمز وقيل هرم قال الحافظ مجهول، وقال أبو زرعة لا أعرف من هو، وقال أبو حاتم صالح الحديث، وقد ضعف أبو داود هذا الحديث روى ذلك عنه الحافظ في التلخيص، وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس رواها الحاكم بلفظ كان يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم وصحح الحاكم هذا الطريق وخطأه الحافظ في ذلك لأن في إسنادها عبد الله بن عمرو بن حسان وقد نسبه ابن المديني إلى الوضع للحديث وقد رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم عن شريك ولم يذكر ابن عباس في إسناده بل أرسله وهو الصواب من هذا الوجه قاله الحافظ وقال أبو عمر الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن عباس من فعله لا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم وفي إسناده عمر بن حفص المكي وهو ضعيف، وأخرجه أيضا عنه من طريق أخرى وفيها أحمد بن رشيد بن خثيم عن عمه سعيد بن خثيم وهما ضعيفان، ومنها ما أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة بلفظ قال نعيم المجمر صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن، وفيه ويقول إذا سلم والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم وقال البيهقي صحيح الإسناد وله شواهد وقال أبو بكر الخطيب فيه ثابت صحيح لا يتوجه عليه تعليل، ومنها عن أبي هريرة أيضا عند الدارقطني عن النبي كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم قال الدارقطني رجال إسناده كلهم ثقات انتهى
وفي إسناده عبد الله بن عبد الله الأصبحي روي عن ابن معين توثيقه وتضعيفه وقال ابن المديني كان عند أصحابنا ضعيفا وقد تكلم فيه غير واحد، ومنها عن أبي هريرة أيضا عند الدارقطني قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آيها قال اليعمري وجميع رواته ثقات إلا أن نوح بن أبي بلال الراوي له عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة تردد فيه فرفعه تارة ووقفه أخرى
وقال الحافظ هذا الإسناد رجاله ثقات وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه وأعله ابن القطان بتردد نوح المذكور وتكلم فيه ابن الجوزي من أجل عبد الحميد بن جعفر فإن فيه مقالا ولكن متابعة نوح له مما تقويه
ومنها عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم أخرجه الدارقطني وفي إسناده جابر الجعفي وإبراهيم بن الحكم بن ظهير وغيرهما ممن لا يعول عليه
ومنها عن علي أيضا بلفظ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته أخرجه الدارقطني وقال هذا إسناد علوي لا بأس به وله طريق أخرى عنده عنه بلفظ أنه سئل عن السبع المثاني فقال الحمد لله رب العالمين قيل إنما هي ست فقال بسم الله الرحمن الرحيم وإسناده كلهم ثقات
وقال الحافظ في الحديث الأول الذي قال إنه لا بأس بإسناده أنه بين ضعيف ومجهول
ومنها عن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام إلى الصلاة فأراد أن يقرأ قال بسم الله الرحمن الرحيم رواه ابن عبد البر قال ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف
ومنها عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة قلت أقرأ الحمد لله رب العالمين قال قل بسم الله الرحمن الرحيم رواه الشيخ أبو الحسن وفي إسناده الجهم بن عثمان قال أبو حاتم مجهول
ومنها عن سمرة قال كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سكتتان سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وسكتة إذا فرغ من القراءة فأنكر ذلك عمران بن الحصين فكتبوا إلى أبي بن كعب فكتب أن صدق سمرة أخرجه الدارقطني وإسناده جيد غير أن الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما بلفظ سكتة حين يفتتح وسكتة إذا فرغ من السورة ومنها عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم أخرجه الدارقطني أيضا وله طريق أخرى عن أنس عند الدارقطني والحاكم بمعناه
ومنها عن أنس أيضا بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم أخرجه الحاكم قال ورواته كلهم ثقات
ومنها عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي وفي إسناده الحكم بن عبد الله بن سعد وقد تكلم فيه غير واحد
ومنها عن بريدة بن الحصيب بنحو حديث عائشة وفيه جابر الجعفي وليس بشيء وله طريق أخرى فيها سلمة بن صالح وهو ذاهب الحديث
ومنها عن الحكم بن عمر وغيره من طرق لا يعول عليها، ومنها عن ابن عمر قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم أخرجه الدارقطني قال الحافظ وفيه أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي العلوي وقد كذبه أبو حاتم وغيره ومن دونه أيضا ضعيف ومجهول ورواه الخطيب عن ابن عمر من وجه آخر وفيه مسلم بن حبان وهو مجهول قال والصواب أن ذلك عن ابن عمر غير مرفوع
فهذه الأحاديث فيها القوي والضعيف كما عرفت وقد عارضتها الأحاديث الدالة على ترك البسملة التي قدمناها وقد حملت روايات حديث أنس السابقة على ترك الجهر لا ترك البسملة مطلقا لما في تلك الرواية التي قدمناها في حديثه بلفظ فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وكذلك حملت رواية حديث عبد الله بن مغفل الآتية وغيرهما حملا لما أطلقته أحاديث نفي قراءة البسملة على تلك الرواية المقيدة بنفي الجهر فقط وإذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه
قال الحافظ لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي لأن أنسا يبعد جدا أن يصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة عشر سنين ويصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسا وعشرين سنة فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرا فلم يستحضر الجهر بالبسملة فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر انتهى
ويؤيد ما قاله الحافظ من عدم استحضار أنس لذلك ما أخرجه الدارقطني عن أبي سلمة قال سألت أنس بن مالك أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن الرحيم فقال إنك سألتني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك فقلت أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في النعلين قال نعم
قال الدارقطني هذا إسناد صحيح وعروض النسيان في مثل هذا غير مستنكر فقد حكى الحازمي عن نفسه أنه حضر جامعا وحضره جماعة من أهل التمييز المواظبين في ذلك الجامع فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات قال وكان صيتا يملأ صوته الجامع فاختلفوا في ذلك فقال بعضهم يجهر وقال بعضهم يخفت ولكنه لا يخفى عليك أن هذه الأحاديث التي استدل بها القائلون بالجهر منها ما لا يدل على المطلوب وهو ما كان فيه ذكر أنها آية من الفاتحة أو ذكر القراءة لها أو ذكر الأمر بقراءتها من دون تقييد بالجهر بها في الصلاة لأنه لا ملازمة بين ذلك وبين المطلوب وهو الجهر بها في الصلاة
وكذلك ما كان مقيدا بالجهر بها دون ذكر الصلاة لأنه لا نزاع في الجهر بها خارج الصلاة
فإن قلت أما ذكر أنها آية أو ذكر الأمر بقراءتها في الصلاة بدون تقييد بالجهر فعدم الاستلزام مسلم وأما ذكر قراءته صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة لها فالظاهر أنه يستلزم الجهر لأن الطريق إلى نقله إنما هي السماع وما يسمع جهر وهو المطلوب
قلت يمكن أن تكون الطريق إلى ذلك إخباره صلى الله عليه وآله وسلم أنه قرأ بها في الصلاة فلا ملازمة
والذي يدل على المطلوب منها هو ما صرح فيه بالجهر بها في الصلاة وهي أحاديث لا ينتهض الاحتجاج بها كما عرفت ولهذا قال الدارقطني إنه لم يصح في الجهر بها حديث ولو سلمنا أن ذكر القراءة في الصلاة يستلزم الجهر بها لم يثبت بذلك مطلوب القائلين بالجهر لأن أنهض الأحاديث الواردة بذلك حديث أبي هريرة المتقدم وقد تعقب باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها على أنه قد رواه جماعة غير نعيم عن أبي هريرة بدون ذكر البسملة كما قال الحافظ في الفتح
وقد جمع القرطبي بما حاصله إن المشركين كانوا يحضرون المسجد فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا إنه يذكر رحمن اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ونزلت {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} قال الحكيم الترمذي فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذكر الرسم وإن زالت العلة وقد روى هذا الحديث الطبراني في الكبير والأوسط
وعن سعيد بن جبير قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وكان المشركون يهزؤون بمكاء وتصدية ويقولون محمد يذكر إله اليمامة وكان مسيلمة الكذاب يسمى رحمن فأنزل الله ولا تجهر بصلاتك فتسمع المشركين فيهزؤوا بك ولا تخافت عن أصحابك فلا تسمعهم
رواه ابن جبير عن ابن عباس ذكره النيسابوري في التيسير وهذا جمع حسن إن صح أن هذا كان السبب في ترك الجهر
وقد قال في مجمع الزوائد إن رجاله موثقون
وقد ذكر ابن القيم في الهدى أن النبي كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها أكثر مما جهر بها ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائما في كل يوم وليلة خمس مرات أبدا حضرا وسفرا ويخفي ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية فصحيح تلك الأحاديث غير صريح وصريحها غير صحيح انتهى
وهذه المسألة طويلة لذيل وقد أفردها جماعة من أكابر العلماء بتصانيف مستقلة ومن آخر ما وقع رسالة جمعتها في أيام الطلب مشتملة على نظم ونثر أجبت بها على سؤال ورد وأجاب عنه جماعة من علماء العصر فلنقتصر في هذا الشرح على هذا المقدار وإن كان بالنسبة إلى ما في المسألة من التطويل نزرا يسيرا ولكنه لا يقصر عن إفادة المنصف ما هو الصواب في المسألة وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة يبطلان بالإجماع فلا يهولنك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة والخلاف فيها ولقد بالغ بعضهم حتى عدها من مسائل الاعتقاد
وعن ابن عبد الله بن مغفل قال سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال يا بني إياك والحدث قال ولم أر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا كان أبغض إليه حدثا في الإسلام منه فإني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها إذا أنت قرأت فقل الحمد لله رب العالمين رواه الخمسة إلا أبا داود الحديث حسنه الترمذي وقد تفرد به الجريري وقد قيل إنه اختلط بأخرة وقد توبع عليه الجريري كما سيأتي وهو أيضا من أفراد ابن عبد الله بن مغفل وعليه مداره وذكر أن اسمه يزيد وهو مجهول لا يعرف روى عنه إلا أبو نعامة وقد رواه معمر عن الجريري ورواه إسماعيل بن مسعود عن خالد بن عبد الله الواسطي عن عثمان بن غياث عن أبي نعامة عن ابن عبد الله بن مغفل ولم يذكر الجريري
وإسماعيل هو الجحدري قال أبو حاتم صدوق وروى عنه النسائي فعثمان بن غياث متابع للجريري وقد وثق عثمان أحمد ويحيى وروى له البخاري ومسلم
وقال ابن خزيمة هذا الحديث غير صحيح
وقال الخطيب وغيره ضعيف قال النووي ولا يرد على هؤلاء الحفاظ قول الترمذي أنه حسن انتهى
وسبب تضعيف هذا الحديث ما ذكرناه من جهالة ابن عبد الله بن مغفل والمجهول لا تقوم به حجة
قال أبو الفتح اليعمري والحديث عندي ليس معللا بغير الجهالة في ابن عبد الله بن مغفل وهي جهالة حالية لا عينية للعلم بوجوده فقد كان لعبد الله بن المغفل سبعة أولاد سمى هذا منهم يزيد وما رمى بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا أبا نعامة فحكمه حكم المستور قال وليس في رواة هذا الخبر من يتهم بكذب فهو جار على رسم الحسن عنده
وأما تعليله بجهالة المذكور فما أراه يخرجه عن رسم الحسن عند الترمذي ولا غيره
وأما قول من قال غير صحيح فكل حسن كذلك
والحديث استدل به القائلون بترك قراءة البسملة في الصلاة والقائلون بترك الجهر بها وقد تقدم الكلام على ذلك