الصفحة 44 من 130

95.الذبيح إسحاق. [1]

(1) (أسنى المطالب، التحديث، الضعيفة، اللطيفة، المشتهر، ضعيف الجامع) قال في الفتح: قيل كان إبراهيم نذر إن رزقه الله من سارة ولدا أن يذبحه قربانا فرأى في المنام أن أوف بنذرك أخرجه بن أبي حاتم عن السدي قال فقال إبراهيم لإسحق انطلق بنا نقرب قربانا وأخذ حبلا وسكينا ثم انطلق به حتى إذا كان بين الجبال قال يا أبت أين قربانك قال أنت يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك الآيات فقال اشدد رباطي حتى لا اضطرب واكفف ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي فتراه سارة فتحزن وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون على ففعل ذلك إبراهيم وهو يبكي وأمر السكين على حلقه فلم تحز وضرب الله على حلقه صفيحة من نحاس فكبه على جبينه وحز في قفاه فذاك قوله فلما أسلما وتله للجبين ونودى أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فالتفت فإذا هو بكبش فأخذه وحل عن ابنه وهكذا ذكره السدي ولعله أخذه عن بعض أهل الكتاب فقد أخرج بن أبي حاتم بسند صحيح أيضا عن الزهري عن القاسم قال اجتمع أبو هريرة وكعب فحدث أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل نبي دعوة مستجابة فقال كعب أفلا أخبرك عن إبراهيم لما رأى أنه يدبح ابنه إسحاق قال الشيطان ان لم أفتن هؤلاء عند هذه لم افتنهم أبدا فذهب الى سارة فقال أين ذهب إبراهيم بابنك قالت في حاجته قال كلا أنه ذهب به ليذبحه يزعم أنه ربه أمره بذلك فقالت أخشى أن لا يطيع ربه فجاء الى إسحاق فأجابه بنحوه فواجه إبراهيم فلم يلتفت اليه فأيس أن يطيعوه وساق نحوه من طريق سعيد عن قتادة وزاد أنه سد على إبراهيم الطريق الى المنحر فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات عند كل جمرة وكأن قتادة أخذ أوله عن بعض أهل الكتاب وآخره مما جاء عن بن عباس وهو عند أحمد من طريق أبي الطفيل عنه قال إن إبراهيم لما رأى المناسك عرض له إبليس عند المسعى فسبقه إبراهيم فذهب به جبريل إلى العقبة فعرض له إبليس فرماه بسبع حصيات حتى ذهب وكان على إسماعيل قميص أبيض وثم تله للجبين فقال يا أبت أنه ليس لي قميص تكفنني فيه غيره فاخلعه فنودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فالتفت فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين فذبحه وأخرج ابن إسحاق في المبتدأ عن بن عباس نحوه وزاد فو الذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وان رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وأخرجه أحمد أيضا عن عثمان بن أبي طلحة قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فواريت قرني الكبش حين دخل البيت وهذه الآثار من أقوى الحجج لمن قال إن الذبيح إسماعيل وقد نقل بن أبي حاتم وغيره عن العباس وابن مسعود وعن علي وابن عباس في إحدى الرواتين عنهما وعن الأحنف عن بن ميسرة وزيد بن أسلم ومسروق وسعيد بن جبير في إحدى الرواتين عنه وعطاء والشعبي وكعب الأحبار أن الذبيح إسحاق وعن بن عباس في أشهر الروايتين عنه وعن علي في احدي الروايتين وعن أبي هريرة ومعاوية وابن عمر وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي في إحدى الروايتين عنهما ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب وأبي جعفر الباقر وأبي صالح والربيع بن أنس وأبي عمرو بن العلاء وعمر بن عبد العزيز وابن إسحاق ان الذبيح إسماعيل ويؤيده ما تقدم وحديث أنا بن الذبيحين رويناه في الخلعيات من حديث معاوية ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه وابن أبي حاتم عن أبيه وأطنب بن القيم في الهدى في الاستدلال لتقويته وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه استنبط من القرآن دليلا وهو قوله في الصافات وقال اني ذاهب الى ربي سيهدين إلى قوله إني أرى في المنام أني أذبحك وقوله في هود وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق إلى قوله وهذا بعلي شيخا قال ووجه الأخذ منهما أن سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان في وقتين الأولى عن طلب من إبراهيم وهو لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره فسأل من ربه الولد فبشره بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك والقصة الثانية بعد ذلك بدهر طويل لما شاخ واستبعد من مثله أن يجئ له الولد وجاءته الملائكة عندما أمروا باهلاك قوم لوط فبشروه بإسحاق فتعين ان يكون الأول إسماعيل ويؤيده أن في التوراة أن إسماعيل بكره وأنه ولد قبل إسحاق قلت وهو استدلال جيد وقد كنت أستحسنه واحتج به الى أن مر بي قوله في سورة إبراهيم الحمد الله لذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق فإنه يعكر على قوله إنه رزق إسماعيل في ابتداء أمره وقوته لأن هاجر والدة إسماعيل صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد فولدت هاجر إسماعيل فغارت سارة منها كما تقدمت الإشارة اليه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء وولدت بعد ذلك إسحاق واستمرت غيرة سارة الى ان كان اخراجها وولدها إلى مكة ما كان وقد ذكره بن إسحاق في المبتدأ مفصلا وأخرجه الطبري في تاريخه من طريقه وأخرج الطبري من طريق السدي قال انطلق إبراهيم من بلاد قومه قبل الشام فلقى سارة وهي بنت ملك حران فآمنت به فتزوجها فلما قدم مصر وهبها الجبار هاجر ووهبتها له سارة وكانت سارة منعت الولد وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له ولدا من الصالحين فأخرت الدعوة حتى كبر فلما علمت سارة أن إبراهيم وقع على هاجر حزنت على ما فاتها من الولد ثم ذكر قصة مجيء الملائكة بسبب إهلاك قوم لوط وتفسيرهم إبراهيم بإسحاق فلذلك قال إبراهيم الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ويقال لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين وقيل كان بينهما أربع عشر سنة وما تقدم من كون قصة الذبيح كانت بمكة حجة قوية في أن الذبيح إسماعيل لأن سارة وإسحاق لم يكونا بمكة والله أعلم قوله وقال مجاهد أسلما سلما ما أمرا به وتله وضع وجهه بالأرض قال الفريابي في تفسيره حدثنا ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى فلما أسلما قال سلما ما أمرا به وفي قوله وتله للجبين قال وضع وجهه بالأرض قال لا تذبحني وأنت تنظر في وجهي لئلا ترحمني فوضع جبهته في الأرض وأخرج بن أبي حاتم من طريق السدي قال فلما أسلما أي سلما لله الأمر ومن طريق أبي صالح قال اتفقا على أمر واحد ومن طريق قتادة سلم إبراهيم لأمر الله وسلم إسحاق لأمر إبراهيم وفي لفظ أما هذا فأسلم نفسه لله وأما هذا فأسلم ابنه لله ومن طريق أبي عمران الجوني تله للجبين كبه لوجهه تنبيه هذه الترجمة والتي قبلها ليس في واحد منهما حديث مسند بل اكتفى فيهما بالقرآن ولهما نظائر وقول الكرماني انه كان في كل منهما بياض ليلحق به حديث يناسبه محتمل مع بعده.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: - عن"الذبيح"من ولد خليل الله إبراهيم عليه السلام هل هو: إسماعيل أو إسحاق؟.

فأجاب: الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة فيها مذهبان مشهوران للعلماء وكل منهما مذكور عن طائفة من السلف وذكر أبو يعلى في ذلك روايتين عن أحمد ونصر أنه إسحاق اتباعا لأبي بكر عبد العزيز وأبو بكر اتبع محمد بن جرير. ولهذا يذكر أبو الفرج ابن الجوزي: أن أصحاب أحمد ينصرون أنه إسحاق وإنما ينصره هذان ومن اتبعهما ويحكى ذلك عن مالك نفسه لكن خالفه طائفة من أصحابه. وذكر الشريف أبو علي بن أبي يوسف: أن الصحيح في مذهب أحمد أنه إسماعيل وهذا هو الذي رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: مذهب أبي أنه إسماعيل وفي الجملة فالنزاع فيها مشهور لكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل وهذا الذي عليه الكتاب والسنة والدلائل المشهورة وهو الذي تدل عليه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب. وأيضا فإن فيها أنه قال لإبراهيم: اذبح ابنك وحيدك. وفي ترجمة أخرى: بكرك. وإسماعيل هو الذي كان وحيده وبكره باتفاق المسلمين وأهل الكتاب لكن أهل الكتاب حرفوا فزادوا إسحاق فتلقى ذلك عنهم من تلقاه وشاع عند بعض المسلمين أنه إسحاق وأصله من تحريف أهل الكتاب. ومما يدل على أنه إسماعيل قصة الذبيح المذكورة في سورة الصافات. قال تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وقد انطوت البشارة على ثلاث. على أن الولد غلام ذكر وأنه يبلغ الحلم وأنه يكون حليما. وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال. {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} ؟ وقيل: لم ينعت الله الأنبياء بأقل من الحلم وذلك لعزة وجوده ولقد نعت إبراهيم به في قوله تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم} {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} لأن الحادثة شهدت بحلمهما: {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} - إلى قوله - {وفديناه بذبح عظيم} {وتركنا عليه في الآخرين} {سلام على إبراهيم} {كذلك نجزي المحسنين} {إنه من عبادنا المؤمنين} {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} {وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} . فهذه القصة تدل على أنه إسماعيل من وجوه: - (أحدها: أنه بشره بالذبيح وذكر قصته أولا فلما استوفى ذلك قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} {وباركنا عليه وعلى إسحاق} فبين أنهما بشارتان: بشارة بالذبيح وبشارة ثانية بإسحاق وهذا بين. (الثاني: أنه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن إلا في هذا الموضع وفي سائر المواضع يذكر البشارة بإسحاق خاصة كما في سورة هود: من قوله تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفا للوعد في يعقوب. وقال تعالى: {فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم} {فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم} وقال تعالى في سورة الحجر: {قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم} {قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} {قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين} ولم يذكر أنه الذبيح ثم لما ذكر البشارتين جميعا: البشارة بالذبيح والبشارة بإسحاق بعده كان هذا من الأدلة على أن إسحاق ليس هو الذبيح. ويؤيد ذلك أنه ذكر هبته وهبة يعقوب لإبراهيم في رحمه الله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين} وقوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} ولم يذكر الله الذبيح. (الوجه الثالث: أنه ذكر في الذبيح أنه غلام حليم ولما ذكر البشارة بإسحاق ذكر البشارة بغلام عليم في غير هذا الموضع والتخصيص لا بد له من حكمة وهذا مما يقوي اقتران الوصفين والحلم هو مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح. وإسماعيل وصف بالصبر في قوله تعالى. {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار} وهذا أيضا وجه ثالث فإنه قال في الذبيح: {يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} وقد وصف الله إسماعيل أنه من الصابرين ووصف الله تعالى إسماعيل أيضا بصدق الوعد في قوله تعالى: {إنه كان صادق الوعد} ; لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به. الوجه الرابع: أن البشارة بإسحاق كانت معجزة ; لأن العجوز عقيم ; ولهذا قال الخليل عليه السلام: {أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} وقالت امرأته: {أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا} وقد سبق أن البشارة بإسحاق في حال الكبر وكانت البشارة مشتركة بين إبراهيم وامرأته. وأما البشارة بالذبيح فكانت لإبراهيم عليه السلام وامتحن بذبحه دون الأم المبشرة به وهذا مما يوافق ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الصحيح وغيره: من أن إسماعيل لما ولدته هاجر غارت سارة فذهب إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة وهناك أمر بالذبح. وهذا مما يؤيد أن هذا الذبيح دون ذلك. ومما يدل على أن الذبيح ليس هو إسحاق أن الله تعالى قال: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه؟ والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب ولا خلاف بين الناس أن قصة الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم بلا ريب. ومما يدل على ذلك: أن قصة الذبيح كانت بمكة {والنبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة كان قرنا الكبش في الكعبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسادن: إني آمرك أن تخمر قرني الكبش فإنه لا ينبغي أن يكون في القبلة ما يلهي المصلي} . ولهذا جعلت منى محلا للنسك من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما اللذان بنيا البيت بنص القرآن. ولم ينقل أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة لا من أهل الكتاب ولا غيرهم لكن بعض المؤمنين من أهل الكتاب يزعمون أن قصة الذبح كانت بالشام فهذا افتراء. فإن هذا لو كان ببعض جبال الشام لعرف ذلك الجبل وربما جعل منسكا كما جعل المسجد الذي بناه إبراهيم وما حوله من المشاعر. وفي المسألة دلائل أخرى على ما ذكرناه وأسئلة أوردها طائفة كابن جرير والقاضي أبي يعلى والسهيلي ولكن لا يتسع هذا الموضع لذكرها والجواب عنها. والله عز وجل أعلم. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت