فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 221

أرأيتم حال المؤمن والكافر ، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبّا على وجهه ، أي يمشي متعثرا في كل وقت ، منحنيا غير مستو ، لا يدري أين يسلك ، ولا كيف يذهب ، بل هو تائه حائر ضال.

أهذا أهدى أم ذلك المؤمن الذي مثله كمن يسير معتدلا ناظرا أمامه على طريق مستو ، لا اعوجاج به ولا انحراف فيه ، فهو في نفسه مستقيم ، وطريقه مستقيمة ، سواء في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا إذ يسير على منهج اللّه يكون على هدى وبصيرة ، وفي الآخرة يحشر على طريق مستقيم يؤدي به إلى الجنة. وهذا الاستفهام لا تراد حقيقته ، بل المراد منه أن كل سامع يجيب بأن الماشي سويا على صراط مستقيم أهدى.

ثم ذكر اللّه تعالى البرهان الثاني الدال على كمال قدرته قائلا: « قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما » ـ جاء تلقينا لهم ، وإلزاما إياهم بتلك الحقائق ، سواء عقلوها أو لم يعقلوها ..فالإله الذي حدثتهم الآيات السابقة عنه ، ودعتهم إلى النظر في آياته ، وإلى الإجابة على عدد من الأسئلة التي من شأن العقلاء أن يسألوها أنفسهم ، وأن يتولّوا الإجابة عليها ، في سبيل التعرف على اللّه ـ هذا الإله ، هو الذي جعل لهم السمع ، والأبصار ، والعقول .. ولكن كثيرا من الناس لا يشكرون اللّه تعالى على هذه النعم بل ولا يعترفون به ربّا ، وفى هذا يقول سبحانه: « وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ » (13: سبأ) ." [1] "

أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: إن اللّه ربكم هو الذي ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا ، وأوجد لكم حاسة السمع لسماع المواعظ به ، وحاسة البصر لنظر بدائع خلق اللّه ، والقلوب والعقول للتأمل والتفكير في مخلوقات اللّه وإدراك حقائق الأشياء ، ولكن قلّما تستعملون هذه القوى التي أنعم اللّه بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره ، وترك زواجره ، وفيما خلقت لأجله من الخير ، وذلك هو الشكر الحقيقي لهذه الطاقات ، لا مجرد ترداد الشكر باللسان ، وملازمة

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1073)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت