فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 221

كُنْتُمْ صادِقِينَ »..هو بيان لما انتهى إليه أمر هؤلاء المشركين ، بعد هذه الوقفة الطويلة معهم ، وبعد هذه المراجعة لحسابهم المغلوط ، الذي اطمأنوا إليه .. إنّ كل هذا لم يزحزحهم عن موقف الضلال الذي هم فيه .. وإنهم مازالوا على تكذيبهم بالبعث ، والحساب والجزاء ، فيسألون هذا السؤال ، الذي يدل على رفضهم لكل ما قدم إليهم من أدلة ، وما عرض عليهم من آيات: « مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ » .. يقولون هذا في استهزاء وسخرية ..وكأنهم يقولون النبي ، وللمؤمنين: دعونا من كل هذا الذي تخوضون فيه ، وقولوا لنا: متى هذا الوعد ؟ أي متى يوم القيامة الذي تقولون عنه وتجعلونه موعدا للحساب والجزاء ؟ متى يومه ؟ إن كنتم صادقين في هذا الزعم ، فحددوا له موعدا لهذا اليوم ، طال هذا الموعد أم قصر ..

أمَّا إطلاق هذا اليوم ضالّا في غياهب الغيب ، فهذا دليل على أن الحديث عن هذا اليوم ، هو حديث مكذوب ، وقول مفترى ..

إذ لو أنه كان حديثا قائما على واقع من الحق ، لعلم المتحدّث به ، الموعد الذي يقع فيه .. أمَّا أن يتحدث متحدث عن أمر سيقع ، ثم لا يربط هذا الحديث عنه بزمن معلوم ، فذلك رجم بالغيب ، أشبه بأخبار الكهان والمنجّمين ..هكذا كانوا يفكّرون ويقدّرون .. [1]

أي ويقول المشركون لمحمد والمؤمنين تهكما واستهزاء: متى يقع ما تعدنا به من القيامة والحشر والعذاب والنار في الآخرة ، والخسف والحاصب في الدنيا ، إن كنتم يا محمد والمؤمنون به صادقين فيما تدعونه؟ فأخبرونا به ، أو فبيّنوه لنا.

وقد جاءهم الرد المفحم في قوله تعالى: « قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ » .. إن الرسول لم يقل لهم يوما إنه يعلم الغيب ، أو أنه إله مع اللّه ، وإنما بادأهم من أول الأمر ، بما أمره اللّه سبحانه أن يلقاهم به في قوله تعالى: « قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ » (110: الكهف) .. وقوله سبحانه: « إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1077)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت