الصفحة 108 من 117

والشاهد قول أهل العلم المتفق عليه؛ (إنقاذ المسلم وذلك أولى من إهلاك الكافر) ، وهذا مما يتفق عليه ذوو الحجا والنهى من المسلمين. فإن قال قائل؛ لا يلزم! قلنا له؛ بين لنا الفرق بين المسألتين؟! لأن التفرقة بين المتماثلات بلا دليل من أعسر المشكلات.

سابع عشر: نص الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن من تعين موته بأحد سببين، واستويا في السوء، فله أن يتخير بينهما، كمن احترقت سفينته فيه، ولا يحسن السباحة أو كانت الأسماك المفترسة تحته، فلو اختار موته غرقًا، أو احتراقا ًجاز، وإن غلب على ظنه أن أحد السببين أهون من الآخر، فيتبع الأهون وبه قال جمهور الفقهاء - كما في"البحر الرائق"و"بدائع الصنائع"وغيرها من كتب الفقه -د

قال في"البحر الرائق": (فإن كان المسلمون في سفينة فاحترقت السفينة، فإن كان غلبة ظنهم أنهم لو ألقوا أنفسهم في البحر تخلصوا بالسباحة يجب عليهم أن يطرحوا أنفسهم في البحر ليتخلصوا من الهلاك القطعي، وإن استوى الجانبان؛ إن أقاموا احترقوا، وإن أوقعوا أنفسهم غرقوا، فهم بالخيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف لاستواء الجانبين، وقال محمد؛ لا يجوز أن يلقوا أنفسهم في الماء، لأنه يكون إهلاكا بفعلهم) اهـ.

وهذه هي مسألتنا في غالب أحوالها، حيث إن صاحب السر مقتول لا محالة، أخبر بالسر أو كتمه، وهذا حال الحربي المأسور إلا فيما ندر، وهنا له أن يختار أحد السببين في موته على رأي الفقهاء، فما بالك إذا أضفنا أنه اختار السبب الذي فيه صالح الإسلام والمسلمين؟!

ثامن عشر: ومن الأدلة على جواز مسألتنا بل فضلها، وأن صاحبها ممن يستحق لقب الشهيد بمشيئة الله تعالى، أن لا عبرة بكيفية القتل ولا باليد القاتلة في استحقاق الشهادة حتى نقول؛ إن من قتل نفسه خوف إفشاء الأسرار ليس بشهيد لأنه باشر قتل نفسه، أو قتل في غير ساحة المعركة، لذا سوف آتي الآن بمبحث"الشهيد وتعريفه"، لكي أبين أن من قتل نفسه بهذه الصورة أنه شهيد، ثم أبين بعد ذلك أن لا عبرة باليد القاتلة في مسألة الشهادة في سبيل الله، حيث لم يرد في الشرع؛ أن الشهيد من قتل في المعركة مع الأعداء بيد العدو وإلا فلا شهادة.

أولًا: قوله (ذلك) اسم إشارة للبعيد أي مفسدة إفشاء السر.

ثانيًا: قوله (هذا) أسم إشارة للقريب ويعود لأقرب مذكور حيث قال: (أعظم من مفسدة هذا) وأقرب مذكور هو قوله (قتل نفسه) .

ثالثًا: قوله القاعدة محكمة أي قاعدة ارتكاب أخف الضررين أو قاعدة المفاسد والمصالح.

رابعًا قوله وهو مقتول ولا بد، أي سواءً قتل نفسه بنفسه حماية للمسلمين من إفشاء سرهم، أو الأعداء قتلوه بعد تعذيبه وإفشاء السر.

مسألة؛ لا دخل لليد الفاعلة في استحقاق وصف الشهادة

مما تقدم من تعريف الشهيد يتبين أن الجمهور - خلافًا للحنفية - لم يجعلوا لليد الفاعلة للقتل سببًا في تحقق الشهادة، سوى ما جاء عند الحنفية؛ بأن الشهيد الذي قتله المشركون أو وجد قتيلًا في أرض المعركة.

وقول الجمهور؛ هو الراجح.

وقول الحنفية؛ يرده ما جاء في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، ثم ذكر الحديث ... )، وفيه (فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع - أخو سلمة - قال: يرحمه الله، قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا به، فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرًا، فتناول به ساق يهودي ليضربه ويرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر، فمات منه، قال: فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم شاحبًا وهو آخذ بيدي، قال: ما لك؟ قلت له: فداك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله؟! قال: من قاله؟ قلت: قاله فلان وفلان وفلان وأسيد بن الحضير الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله، إن له لأجرين، وجمع بين إصبعيه، إنه لجاهد مجاهد) .

وروى أبو داود في سننه [حديث: 2539] عن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغرنا على حي من جهينة، فطلب رجل من المسلمين رجلًا منهم فأخطأه، وأصاب نفسه بالسيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخوكم يا معشر المسلمين، فابتدره الناس فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا: يا رسول الله أشهيد هو؟ قال: نعم وأنا عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت