الصفحة 4 من 117

الباب الأول: الأمن في القرآن والسيرة

يقول الله تعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} ، والمراد بالكلمة الطيبة: شهادة"أن لا إله إلا الله"، وقيل كل كلمة حسنة. والمراد بالكلمة الخبيثة: كلمة الكفر أو الدعوة إليه أو الكذب، أو كل كلمة لا يرضاها الله تعالى.

وإفشاء الأسرار التي تعود على الأفراد والأمم بالأضرار من الكلام الذي لا يرضاه الله تعالى، وكذلك كل كلام فيه سعي بالفساد مندرج تحت الكلمة الخبيثة.

-كتمان الأسرار من الحذر والفطنة:

وينبه الإسلام إلى اليقظة والحذر كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} ، وكما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (المؤمن كيِّس فَطِن) .

-الصمت:

1)فلقد كان من أسباب نجاح الدعوة الإسلامية أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بدأ سرا.

ولما شاهد علي رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم يصلي هو وخديجة رضي الله عنها، قال: (يا محمد ما هذا؟!) قال: (دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى) ، فقال علي: (هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب - أي أباه-، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كره أن يفشي سر الدين قبل أن يستعلن أمره، فقال له:(يا علي إذا لم تسلم؛ فاكتم) ، فامتثل علي للأمر، حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في الصباح التالي وأعلن إسلامه وكتم ذلك عن أبيه، ولم يظهره.

2)وقد ابتكر الرسول صلى الله عليه وسلم"الرسالة المكتومة"، فقد بعث صلوات الله وسلامه عليه سَرِيَّة من المهاجرين، قوامها اثنا عشر رجلا بقيادة عبد الله بن جحش الأسدي في مهمة استطلاعية في شهر رجب 2هـ، وسلمه رسالة"مكتومة"تحتوي على تفاصيل المهمة من حيث الهدف منها ومكانها وغير ذلك من التعليمات، وأمره ألا يفتحها إلا بعد أن يسير يومين. [1]

لقد زخرت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتطوير المستمر للأساليب الأمنية حسب اشتداد المحنة أو الظروف من حوله، فكلّما اشتدت الظروف ضراوةً، ارتفعت درجة الاهتمام الأمنيّ، التي تستوجب اتخاذ الإجراءات الحازمة للتعامل الأمثل معها.

السيرة النبويّة المطهّرة، وأبعادها الأمنية:

أولًا: المرحلة المكّية:

1)المرحلة السّرية للدعوة: وتميزت بسرّية الدعوة، وسرّية التنظيم .. أي أنّ الدعوة إلى الدين الجديد"الإسلام"كانت تأخذ طابعًا سرّيًا، وأنّ توزيع المهمات، وترتيب الأعمال والنشاطات، و .. كان سرّيًا أيضًا لا يطّلع عليه أحد إلا المعنيّون بذلك، والكلّ يتحرك نحو الهدف تحت إمرة الرجل الأول، الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2)المرحلة العلنيّة للدّعوة: وقد تميّزت هذه المرحلة بعلنيّة الدّعوة، لكن ببقاء التّنظيم سرّيًا! فالدّعوة إلى الله بين النّاس والقبائل والأهل والعشيرة كان علنيًّا. لكن"على الرّغم من ذلك، فإنّ المهمات والاتصالات بين أبناء الدّعوة، وأماكن التّجمع واللقاءات الثنائية، والخطط التكتيكيّة، واختيار الأفراد الذين سيُدْعَوْنَ للدّخول في الإسلام .. كلّ ذلك كان سرّيًا لا يعرفه أحدٌ من النّاس إلا أصحاب العلاقة من أبناء الدّعوة."

(1) "الأمن في التربية الإسلامية"الكاتب: محمد جمال الدين محفوظ- مجلة منار الإسلام- العدد العاشر، السنة التاسعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت