-جوانب الحذر والحماية في بيعة العقبة:
قال كعب بن مالك رضي الله عنه: (ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق. قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم لها ... وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ... فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه و سلم، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، فاجتمعنا في الشِّعب، ننتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس ... ) [1] .
لقد كانت بيعة العقبة ثمرة من ثمرات الأساليب المناسبة، التي استخدمها الرسول صلى الله عليه و سلم ضد مكر قريش، والتي كانت في غاية من السرية والكتمان، وسنقف هنا على بعض جوانب الحذر والحيطة، التي تخللت بيعة العقبة الكبرى:
ـ الاتفاق المسبق على زمان ومكان البيعة:
تم الاتفاق على زمان ومكان البيعة، بين الرسول صلى الله عليه و سلم والأنصار، حيث واعدهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجتمعوا أوسط أيام التشريق في الشعب، الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم هذا الاجتماع ليلًا [2] .
إن اختيار هذا الوقت -ليلًا- وذاك المكان -الشِّعْب- يؤكد مدى اهتمام النبي صلى الله عليه و سلم بالجانب الأمني، وإحاطة تحركاته بالسرية والكتمان، ففي هذا الوقت تقل رقابة قريش، وتهدأ الحركة، وتندر الرؤية، مما يجعل فرصة الانكشاف أمرًا صعبًا.
ـ الأمر بكتمان الخبر:
طلب الرسول صلى الله عليه و سلم من الأنصار كتمان الخبر عن المشركين [3] ، فذلك أمر تقتضيه الظروف الأمنية، حتى لا يتسرب خبر البيعة إلى قريش، فتقوم بإحباطها .. وقد نفذ الأنصار هذا الطلب، يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: (وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا) [4] .. وقد ظهرت أهمية ونتيجة هذا الكتمان عندما جاءت قريش لتتقصى الخبر من صبيحة البيعة، فتولى الرد علىها مشركو الأنصار، وأقسموا على نفي حدوث البيعة [5] ، ولولا هذا الكتمان لانكشف أمر البيعة والمبايعين.
ـ الاحتياط في الحضور إلى مكان البيعة:
وضع الرسول صلى الله عليه و سلم خطة مأمونة دقيقة للحضور إلى مكان البيعة، فطلب من الأنصار أن يأتوا أفرادًا لا جماعة، حتى يجتمعوا جميعًا في العقبة، وأن يكون ذلك بعد مضي ثلث الليل الأول، وأمرهم ألا ينبهوا نائمًا، ولا ينتظروا غائبًا [6] ، وقد طبق الأنصار هذه الخطة تمامًا، يقول كعب: (فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه و سلم نتسلل مستخفين تسلل القطا) [7] ، أي أفرادًا.
يتجلى لنا من تلك الخطة وتطبيقها، الاحتياط الأمني المحكم في كل جوانبها، فكونهم يأتون بعد ثلث الليل، فذلك وقت يكون الناس فيه قد استثقلوا في النوم، ولا يشعرون بحركة المسلمين يقول كعب: (فلما استثقل الناس في النوم تسللنا ... ) [8] ، بالإضافة إلى أن هذا الوقت يُمكِّن المجتمعين من إنجاز أمر البيعة، وهو وقت مريح .. ولو كان قبل ثلث الليل لكان عرضة للانكشاف، فمعظم الناس لم يخلد بعد إلى النوم أو لم يستثقل فيه، ولو كان بعد ثلث الليل، لكان قريبًا من الصبح، وبالتالي يصبح وقت الاجتماع ضيقًا، مما قد ينتج عنه عدم إنجاز أمر البيعة.
(1) السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 440، 441.
(2) السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 440، والرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 174.
(3) ملخص السيرة النبوية محمد هارون، ص 30، ونور اليقين، محمد الخضري، ص 83.
(4) البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 157.
(5) الوفاء بأحوال المصطفى، لابن الجوزي، ج 1 ص 227.
(6) الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج 2 ص 98، ونور اليقين، محمد الخضري، ص 83.
(7) الوفاء بأحوال المصطفى، لابن الجوزي، ج 2 ص 225. القطا: طائر.
(8) دلائل النبوة للبيهقي، ج 2 ص 446.