الصفحة 62 من 571

بقلم: أخو من طاع الله

من المجاهدين من يختاره الله ويصطفيه إليه قبل أن يرى الثمرة، ومنهم من يمد الله في عمره حتى يرى نصر الله والفتح، ومنهم من يسمع بشير النصر والفتح ثم تفيض روحه إلى بارئها.

ويل أمه مسعر حرب لو كان له رجال، قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير لما أفلت من رسولي قريش وقتل أحدهما وفر الآخر ونجا أبو بصير منهما، القائد الملهم يحسن التفرس في أصحابه، ويستطيع الاستدلال من بعض المواقف على الطاقات الكامنة لديهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو القائد الأعلى لكل مسلم- هذه المقولة في أبي بصير ولما يبدأ أبو بصير مشروع حرب العصابات، وسمع أبو بصير تلك المقولة، ولما يبدأ مشروعه في حرب العصابات.

انطلق أبو بصير من اضطهاد كفار قريش وتعذيبهم فارًّا بدينه وبدنه، من كفرهم أولًا، ومن تعذيبهم وأذاهم ثانيًا، وهكذا تنشأ حروب العصابات، تحت ظروف الظلم والقهر والاستبداد عند الأمم عامة، ولمحاربة الكفر والكافرين والتخلص منهم ومن سيطرتهم لدى المسلمين.

استطاع أبو بصيرٍ النزول بسِيف البحر، على طريق قوافل قريش الذاهبة إلى الشام، وهنا وضع (مسعر الحرب) القائد العسكري المحنك أبو بصير رضي الله عنه يده على نقطة ضعفٍ للعدوِّ.

استهدف أبو بصير (المفاصل الاقتصادية) لقريش، فقد كان اعتمادهم في تاريخهم على التجارة، وكانت تجارتهم (رحلة الشتاء والصيف) ، والاقتصاد هو نقطة الضعف الأولى والأساسية لكل مجموعة أو طائفةٍ أو دولةٍ أو طاغوتٍ، ويفتخر الطواغيتُ بقوته ومتانته، فيقول فرعون: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) .

ولأنَّ مقاتلي العصابات دائمًا أقل من عدوهم في العدد والعدة، فإنَّهم يضربون العدوّ في نقاط الضعف، ويتجنبون نقاط القوة، فيجد العدو المتغطرس أن القوة التي حشدها وركن إليها لا تساوي شيئًا، لأنه لا يستطيع استخدامها بعد أن حيّدها رجال العصابات.

لم يخرج أبو بصير إلى ساحة قريشٍ ويطلب من يبارز منهم، وبمعنى أدقّ لم يحاول أبو بصير أن يحاربهم حربًا نظاميَّةً، بحيث يجمعون قوتهم ويواجههم بقوته، وهذا ما تسعى جميع الحكومات التي تواجه حرب عصابات إلى استدراج المجاهدين إليه، بل اختار أبو بصير بنفسه المكان، واختار ميدان المعركة، واختار العناصر التي يرغب في مواجهتها، واختار الأهداف التي يسعى إليها، يختار الوقت والمكان والهدف وطريقة الهجوم بنفسه، بحيث يفقد العدو جميع العناصر المؤثرة في المعركة.

يختار الهدف الأكثر نكاية في العدو، والأقل تكلفة عنده، والذي يسهل عليه الوصول إليه دون أن يتمكن العدو من شيء أكثر من أن يُفجع بالمصيبة.

كانت حرب عصابات جهاديةً، وكان أبو بصير ومن معه عصابة مؤمنة تُقاتل في سبيل الله، جاء في البخاري في قصة أبي بصير: فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. أقام أبو بصير حرب عصابات على أرفع مستويات العصابات، فكان لا يدع للمشركين تجارة تمرّ إلا استهدفها، وهكذا استطاع الضعيف أن يقيم حصارًا محكمًا على القوي، دون أن يطوق مكة عسكريًا، أو أن يعرف المشركون له مكانًا محددًا يقصدونه فيه ويجهزون عليه فيتخلصوا منه.

كما هي العادة في كل حرب عصابات للمجاهدين في العالم، تتركز الضربات على القوافل التي تأتي بالإمدادات والغذاء، وعلى المراكز غير المحصنة للعدو، أو المحصنة من حيث تكون التحصينات أضعف، وتجاوزها أسهل، وقد تركزت حرب أبي بصير على القوافل الاقتصادية لقريش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت