فلا يصح هذا القياس فحكم الأصل بوجود الكعبة والطواف حولها يختلف
عن حكم الدخول في تلك المحطات والخروج من خلالها فوجود تلك
الصور لا يتعلق بأمر الكعبة لينهى عن الطواف حولها ثم أن الطواف بالكعبة أمر جائز شرعا أما الخروج من تلك المحطات إنما ينبني على وجودها ثم أن هذا كان قبل البعثة ولم يعلم الناس بعد حلالهم من حرامهم ومن اجل ذلك لم يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة بعد البعثة حتى محيت تلك الصور
وأما استدلالهم بدخول الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وصحابته الأسواق مع ما فيها من الفساد
أقول: هذا استدلال باطل من وجوه:
الأمر الأول: أن الأسواق أماكن عامة لا يمكن للأكثر من الناس تجنبها، أو الاستغناء عنها، أو عدم دخولها، بل غالبها قد يقع في طريق الناس. بخلاف الفضائيات التي هي أماكن خاصة يمكن للمرء تجنبها، وعدم المشاركة فيها، والدليل أن عمرها لا يتجاوز العشرة أعوام والعالم الإسلامي بل وكل أهل الأرض كانوا في استغناء عنها.
الأمر الثاني: أن تغيير المنكر جاء الأمر فيه من الشارع على تغييره، وهناك نصوص صحيحة وصريحة على وجوب ذلك، والفضائيات أماكن فسق وفجور ورذيلة، والواجب الشرعي على المسلم القيام والعمل على تغيير هذا المنكر، على قدر المستطاع كما جاء بالحديث، باليد فإن لم يستطع فبلسان فإن لم يستطع فبقلبه.
فلا يصح ولا يجوز أن نعدل عن هذا النص الصحيح والصريح وغيرها من النصوص، لنستدل لها بنصوص أخرى ليست محل استشهاد أو استدلال لمسألتنا هذه مع ورود نص يخصها، ولا يستفاد من ذلك الاستدلال الحكم الشرعي من تحليل أو تحريم، فعند النظر إليها نجد أنها جاءت بغرض الخبر، لأمر خارج عن حكم النص الذي هو محل خلاف بيننا.
وأنا اعتبر أن هذه غفلة ممن استدل بذلك من الدعاة لأن فيها الحيدة عن النص الأصلي ظن بعض الأخوة أنها تصلح لهم شاهدا على خروجهم.
الأمر الثالث: لو تأملنا بوجه استدلالهم لوجدنا أن الخبر الذي جاء في الحديث على أن الأسواق هي شر البقاع عند الله لما تبين أو ظهر لنا أوجه الشبه بينها وبين الفضائيات لأن هذا التحذير منها ليس لأنها أماكن منكر وفساد ونوادي ليليلة وأماكن لبيع الخمور ومجلات نسائية بالدرجة الأولى لأنها قد تخلو من كل ذلك، فقد كانت هذه الأسواق في عهد رسول الله في المدينة النبوية، وذكر هذا الحديث وهو موجود فيها، ولم يكن فيها شيء من ذلك المنكر ولا يعقل أن يكون في أسواق المدينة أماكن لبيع الخمور وأماكن المنكر.