النَّاس شامه، فبدا لي الأَخَوان في تلك الليلة كذلك فاقشعرّ جسدي وقلت في نفسي: الله غالب.
ورمى حبيبي جَسَدَهُ على الفراش واستلقيتُ حذاءه وكان متعبًا جدًّا وهنا قال لي، أمي قالت لي مثلًا: قالت أم لابنها الفقير يا بنيّ لا تأكُل إلا العَسَل ولا تنام إلا على الحرير، فقال لها: يا أمّي كيف ذلك وأنا فقير، قالت له: لا تأكل إلا وأنتَ جوعان ولا تنام إلا وأنتَ متعب.
وأصبَح الصّباح وتمّ تشكيل سريّة اقتحام من النّصف الجَنوبي للنّصف الشمالي وعيّنتُ عليها أبا ناصر أميرًا، وقال له أبو عزام"تقبله الله"أرجو من الله أن تصلي الظّهر في جامع أبي عبيدة والعَصْر في الفاروق - يعني تفتح الجزء الشمالي حتى تلك النّقاط، وكان ذلك ضربًا من الخيال، وسُبْحان الله صلّى أبو ناصر الظّهر في أبي عبيدة والعصر في الفاروق، إلا أَنّ جريحًا جُرِحَ عنده فوضَعَهُ في سيّارته وعاد لكي يضعه عندنا في مأمن وكان الحاجز بيننا شارع الحاج حسين أو الشَّارع الذي يربطُ بين الجسر الجديد وجسر السّريع.
فوقف على الحاجز الآخر وقال أريدُ أن أعبرَ إليكم فقال له الأخ عبد الهادي لقد عبرتَ عدّة مرات هذا اليوم والدبّابات انتبهت إليك وأخاف عليك فلا تعبر، قال عندي جريح سيموت والله الموفق، فتقدّمَ أبو همّام يقودُ السّيارة وفتح أبو ناصر نار الـ B.K.C على الدّبابة كالعادة، وقبل أن يصل إلى الجهة الأخرى بمترين استقرّت قذيفة دبّابة في السّيارة فاستشهد أبو همام في الحال وقُطِعَت قدم أبو ناصر فأخذ يكبّر ثم تَشهّدَ وانتقل إلى رحمة الله أمام عين عمّه أبي عبد الله الشّامي، ومن العجائب التي تُحْكى وليعلم النَّاس أن الله هو الحافظ، نجا الجريح وقُتِلَ حاملوه حيث نزلَ من السّيارة بسرعة وزحفَ إلينا، ونجا من الموت بأعجوبة والله قادر غالبٌ حكيم فأصاب الجميع همّ وغمّ لا يعلمُ به إلا الله حيث فقدت المدينة في أحلك المواقف أهمّ وأجرأ قادتها