عريس"يعني السيارة"، وحاولتُ وحاولتُ لكنّه أصرّ وقال لي: وصيتك أهلي وأولادي وانطلقَ الرّجلُ باتّجاه هدفه إلا أنّ الهدفَ كان قد خرج لِتَوّه وأبقى اللهُ لنا أبا عبد الله.
وبعدما فتحَ الله علينا الفلوجة وأَعَزَّ الدِّين وأهله وأَذَلَّ الشِّرك وحزبه قدم أبو عبد الله وواصل الليل والنّهار جمعًا للشَّمل وتقوية للصَّف ورأبًا للصَّدع، تارة باللِّين وأخرى بالشّدة، النُّصح شعارُهُ والمحبة سبيله، ولما اكتملَ البنيانُ واستوى الرُّكبان، جَهَّزَ حقيبةً صغيرةً بعدّة التفخيخ وأخذ يطوفُ على كتائبِ المجاهديْن من دورةٍ إلى أخرى يُرْسِي دعائمَ هذا العلم، فلا ترى أبا عبد الله إلا بين أحضان عروس، عفوًا سيارة يجهزها، أو إخوة يدربهم، دَوِيُّ المتفجرات عَزْفُهُ وغبار البارود طِيْبُهُ وتجارب المتفجرات لَهْوُهُ وأنيسه، نسى أهله وولده وعشق فَنَّه وإخوته، يمُّر عليه الليل ثقيلًا حتى إذا لاحَ الفجرُ بضياءه ترى أبا عبد الله فوق رؤوس إخوانه والبسمة تعلوه، هيّا كفاية نوم، نمنا كثيرًا كثيرًا.
وهو في كل ذلك نِعْمَ المُعِيْن، وخيرُ صّديق، كان لي إن نِمْتُ أو تكاسلتُ أخذ على يديَّ، وإن زُغْت أو تهاونت أقامني فلم يكن مساعدي بل أستاذي وصاحبي. ولما أحسَّ أبو عبد الله بِقُرْب الأجل ودنوّ الأمل، فاتحني أنه يريد أن يُزوّج ابنته من رجل صالح ويطمئن عليها في حياته فاخترتْ له القائدُ الهمامُ والبطلُ المغوار سيّد الجولان، أبا ناصر الليبيّ وحضرَ الشّيخ أبو مصعب الزرقاوي"رحمه الله"وكيلًا عن العريس وعقدتُ لأبي ناصر وأصدقَ الشّيخ ابنته ألف دولار، بالطّبع رفضَ أبو عبد الله إلا أنه ضُغِطَ عليه، ولم يدخلْ أبو ناصر بالعروْس لأنّها صغيرةً بعضَ الشّيء.
ثم جاءت الفلوجة الثّانية، وأدركَ الجميع أَنَّ النهاية قد اقتربت وأن رحا العمر أوشكت على التّوقف، وأن طاحونة الاستشهاد لابد أن تمرّ على ما تَبَقّى من الأُسُوْد في الفلوجة، واشتعلت الحرب، وصَبَّ الحقدُ الصليبيّ نيرانَ الحقدِ والحسدِ والبغضاءِ وتَبَسَّمَت السَّماء للشّهداء، وبدأَ الإخوةُ يرحلونَ واحدًا واحدًا، كلٌ يُودِّعُ رغمًا عن