فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 257

الجميع، واستمرّت مواكبُ الاستشهاد تتدفق كالسَّيل الجارف، وبينما الأمور كذلك كان أبو عبد الله واقفًا على حافّة الطريْق من جهةِ مطعم الحجّي حسين وزوج ابنته"أبو ناصر اللّيبيّ"على الجهةِ الأخرى، يناديْه عمّي سأعبر، ويردّ أبو عبد الله لا يا أبا ناصر الدبّابة تراكم، وعبرَ أبو ناصر قَدَمُهُ في اتّجاه عمّه، وفاضتْ روحُهُ أمام عينه وهو يقولُ اللهُ أكبر اللهُ أكبر.

وكنتُ على بعد مائة متر من الموقع، ومن بعيْد رأيتُ أبا عبد الله قادمًا علَّي يحملُ قاذفته ويخطّ برجله الأرض.

وفي اليوم الثاني كَثَّفَ العدوُّ من رمايته ورَكَّزَها فَأُصِيب غالب إن لم يكن كل من في الخط الأول، ولم يكن هناك طبيب أو مُمَرِّضٌ وبَيْنَ يَدَيَّ نَزَفَ أَخٌ حتى الموت ولا حول ولا قوّة إلا بالله.

وعلى عَجَلٍ وقِلَّة عِلْم وحيلة تمَّ تجهيز مكان خلفيّ للجرحى، وطلبَ الإخوة من يقوم على رعايتهم، فطلب أبو عبد الله أن يذهبَ عندهم فقلتُ له ابقَ معي لكي تساعدني فليس معي أحد يفهمُ في التّشريك، قال: دعني أذهب، قلت له توكّل على الله ولكن تأتي عند الصّباح، قال إن شاء الله.

وذهبَ أمام عيني وأنا أرمقُهُ عند مغيبَ الشّمس وغابتْ الشّمس، ولم تَعُد إلى يومنا هذا يا عزيزي، رحلَ أبو عبد الله مع أبي طارق الليبيّ تحتَ جدارٍ بعد قصفٍ مدفعيٍ عنيف، كما أودّ أن أسكبَ أيضًا دمعةً على أبي ربيْع الليبيّ حيث ذهبَ مع أبي عبد الله مع الشّمس وعندما ذهبَ أبو ربيع وكان جريحًا في ظهرهِ جاءَ يُقبّلني بحرارةٍ ويحضنني ويُقَبِّل رأسي فقلت: عزيزي هي مائة متر بُعْد بيتِكَ عن بيتنا، قال: الله اعلمُ أنلتقي أم لا، ولم نلتقي، ولعلّنا نلتقي في مكان آخر في جنّات عدنٍ برحمة مِنْه وفَضْلٍ ولعلّي أعودَ بشيءٍ من التفصيل عن أبي ربيْع وأبي طارق في وقتٍ آخر.

بقيَ يا أخي أنّي نسيتُ صفحةً مهمّةً من حياة الشّهيد، فإنَّه وفي يوم من أيام الفلّوجة الطّاحنة قصف الأمريكان بِعُنْف حي الصناعة، فَأُصِيْب على إثر ذلك القصف أحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت