قال لي يومًا وبالحرفِ الواحد:"سبحان الله يا أخي لمَّا أرى أبا ناصر جانبي في الضّرب أو الصّف والله أطمئن".
فحملتُ الكلمة إلى أبي ناصر، تشجيعًا، وثانيًا، ليعلمَ الرّجل أنّ أبا محمّد يُحبّه، فقال: سبحان الله إنّي والله في نفسي ما في نفسِه، ولستُ أشكّ أنّه أشجعُ مني. ثم فاتحتُ أبا محمّد في الانضمام والبيعة، فقال أنا جنديٌّ مطيعٌ بلا بيعة، والبيعةُ شرفٌ ودينٌ فمرحبًا بها ومن لا يتشرّف بذلك، ومن لا يحبّ البيعة على الموت. فوالله لقد فرحتُ به فرحًا شديدًا وقلتُ في نفسي: هذا والله هو الكنز.
وانتهت الفلّوجة الأولى بالنّصر والظّفر وبدأنا مرحلة هي أصعبُ من الأولى، مرحلةُ البناء، بناءُ المدينة عسكريًّا ومن قبل إيمانيًّا، لكن أبا محمّد والحقّ يُقَال كان غيرُ مقتنعٍ أنّ النّاس هنا جادّين في أنّ الجهاد بالنّسبة لهم ديْن، لا وطنيّة ولا قوميّة، وقد كان على حقّ بالنّسبة لعددٍ من ضعافِ النّفوس الّذين جاءوا بعدَ المعركةِ وأرادوا أن يقطفوا الثّمرة على دماء الشّهداء وأطرافِ المعوّقين، فإنّا نعلم أنّا وجدنا من الخير في هذه البلادِ ما لم نِجْدُه في كثيرٍ واختارها الله لرفعة دينه وإقامة عَلَم الجهاد في أرضِهِ.
وفي يومٍ من الأيّام صدرتْ الأوامر بتجهيزِ المجموعاتِ والخروج إلى السّريع لقطع الطّريق على قوافلِ الأمريْكان، وكان أبو محمّد أميرًا لإحدى هذه المجموعات، وكان ذلك خطأ فإنّ الرّجل شجاعٌ إلى حدّ التّهور لكنّه كان أيضًا حكيمًا. وبالفعل استطلعَ مكانَ مجموعتِهِ وذهبَ بهم إلى أقرب مكان ممكن من العدوّ وقال للإخوة سوف نبدأ الضّرب من هذا المكان وعلى طريقة رأس السّهم تقدّمٌ وانبطاحٌ وحتى الوصول إلى الهدف. وإن جاءت الأوامر بالانحياز لسببٍ ما، سواء أكان عطلٌ في السّلاح أو كثافةٌ في رماية