قال: يا رجل كنتُ آتيكم باستمرارٍ في مضافة الجماعة بكابُل، فتذكَّرتُهُ واحتضنْتُهُ وجلستُ مَعَهُ نتذكرُ أيّامنا الخوالي، ونعيش أيّام عزّ الإمارة ولو لبضع دقائق، ثم انصرفتُ لسبيلي، وبعد ذلك أسند إليه القائد أبو مصعب"رحمه الله"إمْرَةَ شؤون المهاجرين بالفلوجة. وكعادته بدأ يُرَتّب شؤون الإخوة أحسنَ ما يكون، فأحدث ولأوّل مرّة ديوانًا للمهاجرين ورقمًا سريًّا لكلّ مهاجر وأعطاهُ له، على أن يسجل اسمه وعنوانه وأهم ما يمكن عنه في ملفٍّ سرّيٍّ جدًّا في مكانٍ سِرّيّ.
فعملَ إحصاءً دقيقًا لعددِ المهاجرين لكل كتيبة، وتاريخ دخولهم، وأماكن تواجدهم، وأمرائهم، وغير ذلك من الدّواوين، فأجاد رحمه الله أيّما إيجادة.
ثم بدأت رُحَا الحرب أعني حرب الفلوجة الثّانية، وبدأت تزحف فيُرَى دخانها ويُسْمَع أزيزها. واتّفقنا كما أسلفتُ على أنْ يكونَ مقرّ قيادة الأزمة في القلبِ أمام جامعِ الفردوس.
وهنا أُحِبّ أن أقفَ وقفةً عسكريّةً مهمّةً، لماذا مقرُّ القيادة في القَلْبِ وليس في المقدمة؟، حيث كُنْتُ منذ دقائق من كتابة هذه الأسْطُر في نقاشٍ مع بعضِ الإخوة بشأنِ هذا الموضوع، وأرى من الفائدةِ أن أنقلَ وجهةَ نظري إلى أحبّتي وإخْواني، اعلموا حفظكم الله أنّه من الخطورةِ أيّها الإخوة أن يكونَ قائد المعركة في المقدّمة، وخاصّةً إذا كانت المعركةُ مُتعدّدة الجوانبِ والأجنحةِ والفصائِل، فلقد جربتُ ذلك بنفسي ففي مرّة من مرّات هجوم العدوّ، حيث تقدمتُ إلى الأمام وصارَ القصفُ خلفي بحيث لا أستطيعُ الرّجوع، فأصبحتُ لا أرى إلا ذلك الحيّز الذي أنا فيه من الجبهة، ولا أستطيعُ متابعةَ شيءٍ سواه، وانقلبَ الأمر معي إلى جنديٍّ عاديّ وتحت العادي، إذ في الإخوة من هو أحسنُ وأشجعُ مني.