بينما ثبتَ إليّ بالتّجربةِ ما كنتُ أَقْرَأُهُ في القِدَم أنّ القائدّ لا بُدّ أن يكونَ في القلبِ أو في المؤخرةِ في مكانٍ يُشْرِف على المعركة.
المُهِمّ أن يكونَ في مكانٍ يرى فيه جميعَ جوانبَ الجبهةِ ومحاوِرَهَا فيستطيع أن يُقَدِّمَ فصيلًا إلى محورٍ مَسَّهُ الضُّعْف أو يستجيب لنداءِ نقصِ العتادِ في محورٍ آخَر، أو يرى ثغرةً حدثت في نقطةٍ فيقدّم من يسدّها أو يسحبُ من قطّاعٍ جزءًا من قوّة لا يحتاجها أو يهتمّ بأمورٍ أُخْرى فيراها رأيَ العَيْن من الجرحى والطعام وغيره. وهذا هو سرُّ بناء الصّحابة لعريشِ النّبي صلّى الله عليه وسلّم في غزوةِ بدر، حيث كان في موضعٍ يتحكمُ ويُشرفُ على المعركةِ فيقدّم حمزةَ وعليًّا ويُؤخّرُ غيرهم، ويسدّ الميمنة ويُجْبِرُ الميسرة وغير ذلكَ من مهامِ القائد في المعركة.
المهمّ أنّ الشّهيد قد أخذَ مكانَهُ في حي نزّال أمام جامع الفردوس، وفي هذا المكان تجلّت شجاعةُ الأمير الشّهيد، حيثُ كان يتقدّم إلى المقدمة ويأخذ يحفّزُ الإخوة ويرتّب شئونَهُم ويقوّي من عزيمتِهِم، وما زالَ في ذلك على النّحو المعروف حتّى تمّ اقتحام نزّال وفي تلكَ الليلة المظلمة كنتُ جالسًا وإيّاه مع أبي جعفر وعددًٍا آخر من الإخوة ثم انحزت وإيّاه الى مكانٍ آخر، وأصبحَ الصّباحُ على معاركَ ضارية تكبّدَ فيها العدوّ الكثيرَ والكثير.
وما زلتُ أتقلّبُ معَ أخي وحبيبي من مكانٍ إلى آخر حتّى آخر ساعةٍ من ساعاتِ الفلّوجة، فما افترقنا قطّ في تلكَ الأزمة، وهنا أحبّ أن أُسَجّل بحصرِ الأشياء المهمّة التي حَدَثَتْ معهُ ومعنا والّتي كانت في بعض الأحيان ظّريفةً ومضحكةً، ومن ذلك