أنّنا لما اشتدُّ الخطبُ وأحاطَ بنا العدوّ من كل مكانٍ اجتمعنا ليلًا في بيتٍ من بيوت الجهاد، وفي إحدى غرف هذا البيْت الواقعة في مؤخّرة المنزل يُضيءُ مصباح"الكيروسيْن"والمجاهدوْن حوله يقولون يا الله.
و بدا لي حينها أنْ أقترح اقتراحًا، فقلتُ: إخواني، أرى واللهُ أعلم، حالُنا أشدُّ ضيقًا وضنكًا من أصحاب الصّخرة الذين دَعَوا بصالحِ أعمالهم، فهيّا ندعو بصالحِ أعمالِنا لعلّ الله أن يُفرّج عنّا، وقلتُ: كأني يا أخواني أفهمُ من الحديث أن يكون الدّعاء علانية، أي أن يجهرَ كلّ واحدٍ منّا بأرجى أعماله عند الله، وذكرتُ أنّ المجالسَ بالأمانات، وتعاهدنا أن ينسى كلُّ واحدٍ منّا ما قاله أخوهُ أو يتناساهُ بعد الدّعاء.
وبالفعلِ بدأَ الإخوة يجتهدونَ في التّقرب إلى الله بأرجى أعمالهم إلا أَخَوَيْن اثنين استحيا أن يذكرا شيئًا. وتمرّ الأيام والليالي، وإذا بجميع من دعى في تلك الليلة المباركة يخرج سالمًا آمنًا من أحداث الفلّوجة، والعجب العجيب أن الأخوين سالفا الذكر كُتِبَ لهما الشَّهادة ولم يخرجا، فالحمد لله على شهادة الإخوة وعلى سلامة الباقين. وكان مما دعا به حبيبي عبدالهادي"أبو الغادية"أمرًا يتعلق بموضوع خدمة الإخوان ولولا ما تعاهدنا عليهِ لذَكَرْتُهُ الآن فالعذر منكم يا أحبابي.
و في هذه الأزمة تَنَقَّلْتُ والرَّجُل من بيتٍ إلى آخر واختبئنا من مكان لمكان حتى اضطرتنا ظروف الحرب أن جلسنا في جُحْرٍ صغير، والذي صارَ بصحبة عبد الهادي"أبي الغادية"قصرًا كبيرًا، فكانَ يخدِمُنا خدمةً عجيبةً إلا أنّه كان مقتنعًا أنّه طباخٌ وليس بذلك. ففي بعضِ الأيامِ صارتْ لنا فسحة الطّهي، فطهى لنا أرزًا تبيّن عند الأكل أنه وصلته النّار من الوسط ولم يكتمل طبخُهُ من الجوانب، فَأَوَّلَها أنّ النّار كانت صغيرةً تركّزت في الوسط، وفي المرّة الثانية جاء الأرز قد اكتمل طبخه