للموت.
وإذا بديكٍ على سطحِ البيتِ يرفعُ رجلَهُ ويقفُ على الثانيةِ، ثم أخذَ يصيحُ، فو اللهِ - والقولُ لأبي جعفرٍ:"ما وقفَ عن صُياحهِ حتى لكأنَّّّّّ الأمريكانَ يسوقُهم ملكُ الموتِ! أخذوا يفرّونَ مِنْ الفرعِ بما فيهم الدبّابةُ التي كانتْ أمامَ بيتِنا حاملينَ قتلاهُم وجرحاهُم، فسجدنا للهِ شكرًا".
وبدأتْ بعضُ المعاركِ الجانِبيةِ إلا أنَّ حيَّ الأندلسِ يكادُ أن يكونَ الآنَ مسيطرٌ عليهِ من قبلِ الأمريكانِ؛ ولأنَّه أولُ الأحياءِ من جهةِ الجسرِ، وكذلكَ فهو الحيُّ الذي يوجدُ فيهِ السّوقُ، فهو من الأهميةِ بمكان بالنسبةِ لمنْ يريدُ السّيطرةَ على المدينةِ، وفي تلكَ الأثناءِ كانتْ بالجهةِ المقابلةِ في حيِّ نزّال، وقدْ فقدَ الجميعُ القائِدَ أبا ناصرٍ الليبيَّ، فقلتُ: اللَّهُمَ أجرني في مصيبتي واخلفْ لي خيرًا منها.
وأرادَ أبو جعفرٍ وأخواهُ العبورَ إلينا إلا أنَّ أبا حفصٍ المقدسيَّ رفضَ ذلكَ وقالَ: لا بُدَّ من عبورِ الشََّارعِ العامِ وهو ملغمٌ بالدبّاباتِ، وكانتْ نقطة عبورنا أمامَ الدبّابةِ لا تتجاوزُ المائةَ مترٍ.
وبينما هُمْ في صمتٍ يفكرونَ، فإذا بأبي جعفرٍ يقولُ لأبي حفصٍ: أتسمع!؟ قالَ: نعم، ولكن قلْ لي باللهِ عليكَ أنتَ ماذا تسمعُ؟، قال أبو جعفرٍ: أسمعُ صهيلَ خيولٍ، فقالَ أبو حفصٍ: واللهِ إني لأسمعُ وقعَ أقدامها على الأرضِ، وقطعوا الطريقَ ولم يطلِقْ العدو عليهم طلقةً واحدةً، فسبحانَ مَنْ أعمى عنْهُم العيونَ وسَتَرَهُم بسترهِ بعدما أسمعَهُم كرامتَهُ.
وفجأةً رأيتُ القائدَ أبي حفصٍ والقائدَ أبي صهيبٍ أمامي فسجدتُ للهِ شكرًا، وقلت: سبحانَ الله فقدنا واحدًا ورُزِقْنَا باثنينِ، وعلى الفور أُسْنِدَ إلى أبي جعفرٍ قيادةَ الجبهةَ الشَّرقيةَ، وأُسْنِدَ إلى أبي صهيبٍ قيادةَ الجبهةَ الغربيةَ، وأُسْنِدَ قَبْلَ ذلكَ قيادةَ المقدمةَ إلى أبي أحمدَ الأنصاريِّ.
وبعدَ طولِ معاركٍ وقَصفٍ عنيفٍ بكلِّ أنواع الأسلحة طالَ كلَّ شبرٍ من نقاطِ الجبهةِ اقتحمَ العدو الخطوطَ الأماميةَ في ليلةٍ سوداءَ مستخدمًا المناظيرَ الليلية، وتسنِدُهُ في كلّ ذلك القاصفةُ ( C130) جوًّا، حيث كانت تقصفُ كلَّ من يحاولُ التصدي، فكانوا يرونَنا ولا نَراهُم؛ لأنَّ طائراتَ الاستطلاعِ كانتْ تطيرُ بسمائِنَا بكثافةٍ إلى درجةِ أنَّهُ كانَتْ تُوجدُ لكلِّ دبّابةٍ طائرةُ استطلاعٍ صغيرةٍ جدًا أمامها نسميها نحنُ"النسر"لشبَهِها بهِ.
اقتحم العدوُّ الجبهةَ وفي صباحِ اليومِ الثاني بَدأنا حربَ شوارعٍ ضروسًا، وفي لحظةٍ مِنْ تلكَ اللحظاتِ حملَ القائدُ البطلُ أبو جعفرٍ قاذفةً وتقدمَ إلى وسطِ أحدِ الأفرعِ وبينما هو يسددُ إلى العدوِّ القاذفةَ، أمطرهُ عدوُ اللهِ بوابلٍ مِنْ مدفعِ دبّابةٍ (عيار 32 ملم) .
فأُصيبَ عِضْدُ أبي جعفرٍ، فجاءَ إلينا متبسمًا قائلًا: لم أتمكنْ للأسف من ضربِ القذيفة، وواللهِ ما تأوّهَ، وكشفنا ثيابهُ (عفوًا مزّقناها) ، وهالني منظرُ الضربةِ، كنتُ أستطيعُ أنْ أضعَ قبضةَ يدي في حفرةِ الجُرحِ!، فأغمضتُ عيني وتنحيتُ جانبًا تاركًا لإخواني القيامَ بمعالجتهِ.
وأسدلَ الليلُ ستارَهُ، وأَطبقَ صمتٌ رهيبٌ على أماكنِ تجمّعاتِ الشّبابِ وتحجمتِ الحركةُ إلا ما شذَّ ونَدَرَ، وبدأَ الإخوة يضعونَ الحراساتِ، وبالطبعِ لم يضعوا أسمَ أبي جعفرٍ، فقالَ: واللهِ لا أشكو شيئًا، أستطيعُ أنْ أحملَ السلاحَ بيدٍ واحدةٍ، ثم قالَ: انظروا وكذلكَ أُسَدِدُ. وكانَ أبو جعفرٍ مفتولَ العضلاتِ وحَبَاهُ اللهُ بوافرٍ من الصّحةِ تمامًا كوفرةِ أخلاقهِ وشجاعتهِ.
فتعجبتُ - يعلمُ اللهُ - من عزيمتهِ وقوّةِ بأسهِ وشكيمتهِ لنفسهِ وعدوّهِ ومصابرتِهِ الآلامَ كما هي الأحزان، وفي تلكَ الليلةِ كانتْ حراستي معهُ، وأشهدُ باللهِ أنَّه كانَ لا يدعني أخرجُ إلى الطريقِ لأتحسسَ أيَّ صوتٍ غريبٍ أو إنارةٍ شاردةٍ، بل كان يحميني بنفسهِِِِِِِ ويَعزُ عليَّ ذلكَ، على الرّغمِ من مرورِ ساعاتٍ قليلةٍ على جرحٍ ثقيلٍ،