وفي ليلةٍ ظلماء كالحة السّواد، وبعد آذان العشاء تحديدًا، كنتُ مع مجموعة من الإخوة وقد أوينا لتوّنا من يوم شاق، وإذا بأزير طائرات الأباتشي، في الأفق ثم أخذ يدور غير بعيد فخرجت أنظر مكانه، وإذا به في مكان يفترض أنه بالقرب منه مجموعة أخرى من الأخوة، وما هي إلا ثواني حتى انطلق صاروخ من السمتية فقطع انفجاره سكونَ الليل، ورأيتُ احمرار الصاروخ الثاني (اللهبة الخلفية) تنطلق من السمتية ليدوّي انفجار ثانٍ، ثم انفجار ثالث.
فركبني الهمّ وعلمتُ أن الأمر يتعلق بإخواني وأن الطيّارات لم ترمِ إلا على شيء، وأصبح الصباح وكان الجو يسودُهُ عاصفةٌ من الريح والمطر لم يسبق لها مثيل منذ زمن بعيد بالعراق، وكأن الرياح تتألم لفقد حبيب ما، فبكت عليه السّماء.
ثم خرج أحد الليوث إلى موقع القصف فلم يستطع الدخول إذ أن الأعداء قد منعوا الناس من الدخول والخروج من موقع المعركة.
نعم معركة، ففي يوم القصف خَرَجَت كتيبة الدفاع الجوي كعادتها إلى الرباط وانتشر ليوثها في بقعة جغرافية كبيرة، واستعدوا لأي غريب يحاول أن يخترق السّماء، وعند الظهر لمع شيء في السّماء - رآه أحد الأخوة بالمنظار عن بُعْد -، وبدأ القائد يرسل رسائل تحذيرية إلى أبطاله:"شباب، أظن أن أعدائنا قد أتوا، استعدّوا".
وما لبث غير قليل حتى بدأ أزير الأباتشي في الأفق، تلك الطيّارة التي حكى عنها العدوّ الأساطير: تضرب في كل اتجاه، وتتعامل مع عشرات الأهداف في وقت واحد، ويستطيع جهاز الإنذار والتحكم فيها أن يُرسلَ صواريخه على العدوّ بالحرارة والصوت والضوء، وغير ذلك من الكذب المحض أو الصّدق الذي يبطل سحره إذا التقى مع جُنْد الإيمان.
كبّرَ القائد تكبيرته الأولى ثم الثانية ثم الثالثة، وبدأ الشّباب بالهجوم على الطيّارات في تناغم شديد، كُلٌّ حَسْب مهامّه ومسئولياته، وكلما دخلت الطيارات سريعًا يتولى أمير المربع الضّرب، حتى إذا انتقلت إلى مربع آخر كان بانتظاره ليوث آخرين ينقضّون عليه، فما يجد عدوّ الله إلا أن يرتفع ويرتفع حتى يكاد يكون نقطة في السّماء، فلا تصل إليه نيران الأبطال، وكذلك لا يستطيع هو أن يحدث من