وأردف قائلًا: حقيرة، حقيرة، ثم فتح باب بيته مسرعا ثم أخذ بيدها ورمى بها خارج منزله، قائلًا: ديني أغلى وأعز وأعظم منكم جميعا يا كلاب.
ولم ينتظر الصالح أن ينهي عقده أو يرتب أموره من بقايا أموال وتصفية حسابات، بل حزم أمتعته وركب أول طائرة متوجهه إلى دياره، نادمًا على اللحظة التي عصى فيها أمه، شاكرًا حامدًا رب البرية على العصمة من الفتنة.
ولست في حاجة أن أذكرك يا أخي القارىء أن حبيبنا عصمه الله من حيث وقع الكثير الكثير من العباد والزهاد ولكن الله لا ينظر إلى صورنا بل إلى قلوبنا ويعلم بعلمه التقي النقي من الكذاب الأشر، نسأل الله حسن الخاتمة ونعوذ بالله من الفتن. رجع الحبيب إلى أمه راجيًا منها الصفح والعفو مقبلًا قدماها قبل يديها فهي ست الحبايب، وحمدت الأم الصالحة وشكرت ربها على استجابة دعائها وسعت فزوجت ولدها من إمرأة صالحة، ورزق منها بفريدة بنية كأنها الشمس في كبد السماء.
لم يطل والدها المقام عندها، بل حزم حقائبه ومضى وفي هذه المرة مضى الى وجهة معاكسة تمامًا مضى إلى الله وحث الخطى، والتسبيح والإستغفار زاده، وخدمة الأخوان والذلة والتواضع لهم سمته وشعاره.
وجاء مع أبي تراب مع ركب الفضيلة يتسابقون إلى الله، فلما طلب الإخوة إستشهاديًا للسفارة الأردنية، قفز هو يترجى إخوانه أن يكون أولهم فهو لا يستطيع أن يفقد أحدا منهم قبله، كما أنه ادعى أنه صاحب ذنب يريد أن يتوب منه، وما درى أن ذنبه هو سر رفعته وشموخه فما زال الخوف من الله على أنه عصا أمه يوما يهز أركانه.
لكن أبا تراب، إستسمح إخوانه، قال رجائى أن تدعوني فإني لست رياضي مثلكم ولا أستطيع ما تستطيعون فرجائي إتركوني وتوسل إليهم فتركوه.
وجاء دور أبي فريدة، هدف ما زال الكفر يبكي دمًا من يومه ومازال الصليب في حسرة على فقد كبار مجرميه في تلك الأرض الملعونة، على حد قولهم.