فلم يتوقف صهيله ولم نجهل زئيره في أي موضع من المواضع وخاصة في ملاحم الإسلام ببلاد الرافدين، بل لم يكن فيها قط إلا رأسًا ولا لها إلا قائدًا وشيخًا.
وأول تلك الملاحم الكبرى والعمليات العظمى، معركة الفلوجة الأولى، أعني بها أول مرة نزل جنود محمد صلى الله عليه وسلم إلى الفلوجة وسيطروا عليها سيطرة تامة وأسقطوا مديرية الأمن و"القائم مقامية"وانسحبوا تاركين وراءهم العدو في دمائه وحيرته بعدها اجتمعوا صفًا ليدرسوا آثار هذه الغزوة المباركة والتي كان قائدها وبطلها الأسد المحنك الأخ"أبو فارس الأنصاري".
كان الشيخ أبو عزام هو المشرف الرئيس على تلك العملية المباركة، وأول ما أراد الفتى أن يتعود الإخوة النزال ويكسروا هيبة الأعداء وتنغمس أيديهم في الدماء أعني دماء العدو فتطيب قلوبهم وتقوى نفوسهم ويستهينوا بعدوّهم ويغرسوا في قلبه شوكة وبين ضلوعه رمحًا لا يزول إلا بروحه وقد كان؛ فقد كانت هذه الغزوة كما أسلفنا لها ما بعدها من الأثر في المعارك التالية، ثم جاءت معركة الفلوجة الأولى -وقد سبق أن نوهنا بعض الشيء على ملابسات قيامها وبعض معاركها وقد ألف الشيخ الفاضل أبو أنس الشامي فيها كتابًا أسماه"معركة الأحزاب"بيّنَ فيه بعض أيام الفلوجة وشيئًا من سيرة رجالها وكان أبو عزام أحد هؤلاء الرجال، بل كان سيّد الرجال وشيخهم حيث كان أمير الحرب في تلك المعركة- وكان أبو عزام الأمير العام للفلوجة، وقد حمل الرجل العبء الثقيل واستعان بالله ومضى.
مضى يشد العزم ويسد الثغر، ويرفع الهمة ويقوي الشوكة، ويهدد العدو ويُمَنِّي الصديق، ويتنقل بين الجبهات مُرَبِّتًا على أكتاف الرجال يبث فيهم روح الإباء والفداء ويذكرهم بالصدر الأول والجيل الأوحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا:"والله لست أشك أنكم تقفون اليوم موقف الأنبياء والمرسلين وتسيرون على خطا الصحابة والصادقين، وهذا إمامكم عبد الله بن رواحة يقول يوم مؤتة: والله إن الذي ترهبون للذي تطلبون، فسيروا على الدرب وشدوا العزم والهمة وإنما النصر صبر ساعة، والله يا قوم إن الله علينا مطلع ولدينه حافظ ولعباده ناصر ولعدوه قاهر فاتقوا الله وسيروا على بركة الله".