فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 257

وجهادٌ وهيبة، فمِلْت على مَن بِجانبي وسألْته من الشّيخ؟، قال: ألا تعرِفُه .. ؟ قلت: لا، قال: هذا عمرُ حَديد من الفلّوجة. وهذه كانتْ بدايَتي معه، ثم بدأَت أحداثُ الفلّوجة الأولى، تلْك الأحداثُ التي شكّلت مُنْعطفًا جديدًا في تاريخِ سيرَته وسيرةِ غيرِه الجهادية، بلْ في سيرة المدينة نفسها، حتى أنّه إذا ذُُكرَت الفلّوجةُ ذُُكِر عُمر، وإذا ذُكِر عُمر ذُكرت الفلّوجة، فهما وجهانِ لِشرفٍ واحد، كلاهُما أثّر على الآخر، بدءًا من أحداثِ مُديرية الأمْن و"القائمقامية"، وانتهاءً برحيلِ البطَل.

لكنّي أبدأ من الفلّوجة الأولى، حيث أُحبّ هنا أن أسجّل ما أظنّ أنه كان سببًا - والعلم عند الله - لعلوّ شأن الرّجل ورِفْعة منزلته في الدّنيا، وأسأل الله أن يرفعَ منْزِلته في الآخرة؛ وهو أنّه عندما أقتَحم الأمريكانُ الفلّوجة أوّل الأمْر، اختبأ أكثرُ النّاس في بُيوتهم، وبَدأ الوَجلُ يدبّ في أوصالهم، وخافوا على أهلِهم وأولادِهم وأموالهم.

لكنّ عُمر ما خافَ إلا الله، فذَهب إلى بيتِه، وأخذ يُحرّض أهْله وأبناءَ عُمومته ومَنْ معه، ثمّ حمَل رشّاشه وجَرى خلْفه أخوهُ عبد السّتير وأبناءُ عُمومته وعلى رأسِهم الشّاب جاسم.

فأسْرع النّاس إليهم"مالَكُم، مجانين؟، غطّوا وجوهَكُم، الأمريكان- الجواسيس-!!"؛ والرّجُل يجأرُ بأعلى صوْته:"أخرُجوا يا ناس، دافِعوا عنْ أعراضِكم، لن يترُكوكم، أصدُقوا مع الله ساعة"؛ وأحسنُ النّاس من يأتِ له بـ"شماغ"يغطّي به وجْهه أو شِربةُ ماءٍ يروي بها ظمأه.

ورأيتُ والله الحُرقةَ على الدّين تملأُ عُيونه، والخوفَ على العِرْض يملأُ قلْبه، والجرأةُ في أمرِ الله سمْته. فقُلت؛ سبحان الله، صدَق ابنُ عبّاس لمّا تكلّم عنْ أبي بكر، فقال"ما سَبَقكُم أبو بكرٍ بكثيرِ صلاةٍ ولا صيام، ولكن بشيءٍ وقَر في قلْبه". ولعل عُمر حديد وقَرَ في قلبِه حبُّ الدّين والغَيْرة على أهلِه، فلِذا ضحّى بنَفسه وأهله ولم يلْتفت.

ولكن سبحان الله القائل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} . فعلى قدْر البلاغِ تكونُ العِصْمة، كما قال الشّيخ سيّد قطب رحمه الله.

وعلى الرّغم من أنّ كثيرًا من بُيوت الفلّوجة قُصِفَت ودمّرت برغم خلوّها حيثُ هجَرَها أهلُها وفرّوا، إلا أنّ بيتَ عُمَر والّذي كان مأوىً للمُجاهدين من المُهاجرين والأنْصار ومقرًا لطعامِهم ودوائِهم، فلمْ يُصَب بسُوء، بل أنّهم قصَفوه أكثر مِن مرّة ولم يُصَب بِسوء بلْ دُمرّ ما حوله؛ فسُبحان الله.

بدأتْ المعركةُ؛ وشكّل عُمر مع الشّيخ أبي أنسٍ الشّاميّ وأبي عزّام وغيرهم القيادةَ العامّة للمعركة. وكان من نصيبِ عُمر، الإشرافُ العامّ أو الإمارة العامّة على أثْخن أماكِن الصّراع وأشدّها وطأة؛ (الجولان) ، حيثُ حاول العدوّ مرّات ومرّات أنْ يدْخُل المدينة من جهتها، لأسبابٍ كثيرة أهمها:

-قِصَرُ المسافة بين مواقع العدوّ ومقرّ الجولان.

-طولُ خطّ الجبْهة من هذه الجهة، ممّا يصعُب على المجاهدين حمايته.

فوالله لقد كنْتُ في هذه الجبْهة، فلصوتُ عُمرَ في المعْركة بألفِ فارس، ورؤيتُه ترفعُ الرّوح المعْنوية وتزرعُ الثّقة في النّفوس.

أذْكُر مرّة أنّ مجموعةً من الأخوة ذهبت لمهاجمةِ أحدِ مواقع الأمريكان، وبَلَغ الخبَرُ إلى الشّيخ عمر حديد، أنّ الأخوة محاصَرون، فجاءَ كأنّه الرّيح المُرسلة يحمِل رشّاشه، وكان من نوع"ناتو- أبو الأخمص الحديدي"، وبدَأ ينشُر الأخوة ويزْأر فيهم:"لابدّ أن نّخلص الأخوة، هيّا يا شباب"، وتقدّم بنفسه من أحدِ الجهات، وبدأ بتنسيق الجهات الأخرى حتى يسّرَ الله وخرَج الأخوة مُنتصرين بعد أنْ كانوا مُحاصرين.

وكانت نُقْطة الشّيخ عُمر دائمًا محِلًا لِقصْفٍ دائِم ومستمر، فلم يتركوا فيها أرضًا ولا بيتًا، آخِرُهم كان البيتَ الذي يُستخدَمُ مخزنًا للذّخيرة، وكان ذلك قبل انتهاء المعركة بأيام، وكانت هذه الذّخيرة آخِرَ ما كان عنْدنا من عَتاد، فحزِنَ عُمر حُزنًا شديدًا، وأشتكى إلى الشّيخ أبي أنس، فقال له"يفرّجُ اللهُ يا عُمر"، وبعدَها جاءَ النّصْر والظّفر، وذلك بعد استِفْراغ الوِسْع في بذْل السّبب، فلمّا ذهَبَت أسبابُ الأرضِ، نزَل سببُ السّماء بفتحٍ مُبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت