فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 257

بعملٍ جِهاديّ ضِدّ قِطْعان اليهود بالأردنّ، أَدْخَلوا أبا صالح خطأً على مجْموعةٍ مِنَ الأشْباح، في مكانٍ ما يصعُبُ وصْفه من هَول الصّدمة، المُهم مكانٌ ما وجَد فيه أشْباهَ بَشَر، وأناسًا يجلسونَ القُرفُصاء ليسَ عليْهم إلا ما يَستُر سَوْءتهم، شُعورٌ طويلةٌ جدًا، وأظافرُ كأنّها مخالبُ وحْش، ورائِحةُ الجِيَف تَفُوح من كلّ شيْء، وصَمْتٌ مُطبِق، ورجُلٌ بِسلاحٍ وبِيَده سَوْط يجْلسُ أمامَهم لكنّه بعيدٌ عنْهُم، وحتّى لا يتأذّى بالرّائحة، وأدْخَلوا صاحِبي على هذا المكان.

قال:"فلمّا رأيتُهم، سَقَط فُؤادي في قدَميّ، وشَعرتُ بِخَوفٍ خَلَع أطْرافي منْ مَكانها وأجْلَسوني بجانب أحَدِهم".

فاسْتَرقْتُ الطّرفَ وحاوَلْتُ أن أُكلّم أحَدَهُم، فما مِنْ مُجيب، وحاولْتُ أُخْرى فما مِنْ مُجيب، اللّهم إلا دُموعٌ تَحجّرتْ تمامًا كَتحجُّر أطْرافِهم، كلّ شَيْء ساكنٌ صامِتْ.

وبعْدَ عدّة ساعات نادَوا عَليه وأخْرَجُوه، وفَهِم بَعْدها أنّه دَخَل بالخطأ، وأنّ مارآهُ ليْسَ مَنْظرًا مِنْ أهوالِ يوم القيامة، وأنّه حقًا لم يَكُن بِغَيبوبةٍ أو كابوسٍ مُؤلمٍ مُزْعج، ولكِنْ ما رآه كانوا أخوةٌ لَهُ يومًا ما مِنَ الدّهْر مُنْذ أكثَرَ مِنْ عِشْرين سَنةً قالوا (لاإله إلا الله) في حَماه وغيرها، ومِنْ ساعَتِها إلى يَومِنا هذا، وهُم في وَضْعهم الذي رآه، لا كَلامْ لا شَيْءَ، لا شَمْس لا لا لا ...

والثّانيةُ أنّ أخي أبا مُحمّد حدّثني: قال"لمّا دَخَلْت السّجن كُنْت مازِلْتُ غَبيًّا!، وحقًّا أحْمقًا جاهلًا"، قال"أذّن للفَجْر، فانْتَظرْت حتى كادَتْ الشّمْس أنْ تَخْرُج فطَرقْتُ الباب"، وأخَذَ صاحبي نَفسًا طَويلًا أيْ شَهْقة مؤلمةً قائلًا"لا أدْري أطَرَقْتُ بابَ السّجْن أمْ بابَ الجحيم، وعلى الفَوْر جاءَت كِلابُهم مِنْ كُلّ حَدَب وصَوْب يتَعجّبون مِنْ ذاكَ الكائِن الغَريب والمَخلوقِ الفَريد الذي استطاعَ أنْ يَطْرُق بابَ السّجن دونَ أنْ يُفتَح له وقَبْل ميعاده"، قالوا له"مالَكْ؟ وقبل أن يُعطوه الجَزاء، قالَ المِسكين:"صلاةُ الفجْر"، فَضحكُوا وضَحكُوا ثم أمسَك بِه جبّارُهم العَنيد ورَفع صَوتَه النّشاز قائلًا له وعُذرًا"يا ابْنَ الكَلْب، صَلاة الفجْر آيه إحْنا كُفّار كُفّار فاهِم يَعني إيه إحنا كُفّار"، طبْعا بلهجَتهم العامّية."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت