فهرس الكتاب
خطط الباطنية وظهور خطرهم في عصر المقدسي
بين المقدسي أنهم يظهرون مالا يبطنون، حتى إذا وقع أحد في شباكهم أظهروا له أفكارهم الخفية، وأن تلك الخطة هي سبب انتشارهم في عصره، يقول المقدسي"وما أَراه انتشر في أمّة من الأمم وزَمَن من الأزمنة انتشاره في زماننا هذا، وأمّتنا هذه، لتستّر أهله بالإسلام، وتحلّيهم تحلية شرائعهم، ودخولهم في غمار أهله، واحتال من احتال لهم بلطيف التمويه في تسليم الأصول الظاهرة، والمصير به إلى التأويلات الباطنة" [1] ثم بين أن ذلك التمويه هو الذي حقن دماءهم، فيقول"وذلك الذي حقن دماءهم، وغمد سيف الحقّ عنهم" [2] ومع هذه السرية التي غلفت أعمالهم فإن حالهم لم يخف على العلماء خاصة الذين اطلعوا على كتبهم، ومن أولئك العلماء: المقدسي، القائل"ومن أراد الظهور على وهن مذهبهم، وخطأ دعواهم فلينظر في كتبهم فإنه يجد الوقت الذي ضربوه لخروج ملتهم واعتلاء شأنهم قد فات منذ ثلاثين سنة" [3] أي أن وقت إعلانهم عن أفكارهم كان عام 325هـ. لكن يبدو أن بعض الناس قد تأثر بتلك الطائفة، خاصة وأن كثيرًا من الباطنية صار من"أهل اللسان والبيان" [4] وكان أكثر الطبقات تأثرًا بهم بعض علية القوم، الذين وصفهم المقدسي بـ"أرباب القلانس وأصحاب المجالس الذين طلبهم العلم ليس لله ولا لأنفسهم، ولكن للتصدر والتقدم ..." [5] وكذلك تأثر بهم بعض سخفاء العقول، الذين قد صار"الحديث لهم عن جمل طار أشهى عندهم من الحديث عن جمل سار، ورؤيا مرئية آثر عندهم من رواية مروية" [6] لذلك كان من خطط الباطنية رواية القصص والخرافات حتى استمالوا أسماع الدهماء، وقلوبهم"بما يقصون من غرائب العجائب ... حتى شحنوا صدورهم بترهات الأباطيل، وضيعوا نفوسهم بالأسمار والأساطير" [7] ولعل ظهور أفكار الباطنية قد جعل بعض العوام الغيورين على الدين يقدمون على مناظرتهم بغير علم، لذا لم يكن المقدسي راضيًا عن هذا المسلك، فيقول
(1) البدء والتاريخ، ج 1 ص 118.
(2) المرجع السابق، ج 5 ص 133 - 134.
(3) المرجع السابق، ج 5 ص 133 - 134.
(4) المرجع السابق، ج 1 ص 2.
(5) المرجع السابق، ج 1 ص 3 - 4.
(6) المرجع السابق، ج 1 ص 4.
(7) البدء والتاريخ، ج 1 ص 4.