الصفحة 117 من 291

عيوب الكتاب وأسباب قلة شهرته

يتملك القارئ لكتاب البدء والتاريخ العجب من عدم شهرة الكتاب مثل بقية المصادر التاريخية، برغم ما له من قيمة علمية معتبرة. ويزداد العجب حين يعلم أنه قد فاق بعض تلك المصادر المشهورة في نواح عدة، وأن ما عيب به الكتاب قد طال غيره في بعض تلك المصادر، بل إنه قد سلم من عيوب قادحة وقعت في بعضها. والحق أن الكتاب لم يأخذ حظه الوافي لأسباب تتعلق بمنهجيته من جهة، ومن جهة أخرى لأمور عامة تتعلق بالمقدسي، وبخدمة الكتاب عامة. ويظن الباحث أن هذه الأمور كانت السبب الرئيس وراء عدم شهرة الكتاب قديمًا وحديثًا. ونستطيع أن نتلمس هذه الأمور فيما يلي:-

(1) الجهل بشخصية المقدسي ومكانته العلمية

وهذا بلا شك أثر علي الكتاب، إذ معرفة المؤلف من أهم أسباب قبول الكتاب وذيوعه خاصة إذ كان الكتاب جيدًا.

(2) الجهل بمؤلف الكتاب

وهذا من بالغ سوء حظ الكتاب حيث صدق فيه المثل العربي"أحشفًا وسوء كيلة" [1] فقد اجتمع في كتاب البدء والتاريخ جهالة مؤلفه، ونسبة الكتاب لغيره، إذ لو عرف الكتاب بمؤلفه لكان ادعى إلى بحث طلاب العلم عن شخصية المقدسي وحياته، وحتمًا كانوا سيصلون ولو إلى معلومات قليلة عنه، ولكن للأسف ظل الكتاب نسيًا منسيًا قرونًا عند أغلبية العلماء، وبخلت كتب الرجال والتراجم على المقدسي ولو بسطر واحد تقيد فيه اسمه. وأما في الماضي فكأن الكتاب لم يطرق باب بغداد، والعراق، والشام، ومصر طيلة قرون طويلة إذ لا خبر عنه، ولا أحد نقل منه إلا ابن الوردي (ت749هـ 1348م) . فأين كانت أنظار أهل العلم طيلة تلك القرون، ومما يؤسف له أنه لما وصل إلى يد ابن الوردي كان مؤلفه قد أبدل، ومؤلفه الحقيقي صار في طي النسيان. نعم ربما عرف الكتاب بمؤلفه المطهر المقدسي في

(1) ونص المثل"أحشفًا وسوء كيلةٍ؟"والحشف أردأ التمر. ومعنى المثل: أتجمع علىّ أن تعطيني حشفًا وتكيل لي كيلة سيئة؟ ويضرب للأمر يكره من جهتين. انظر: ابن منظور: محمد بن مكرم، لسان العرب، مادة: حشف، القاهرة، دار المعارف، ج2 ص887.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت