باب النية
عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَال أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ (1)
(1) هذا حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر وهو إسناد مدني وقد نص غير واحد من الحفاظ على أن يحيى تفرد به، وأنه لا يصح بغير هذا الإسناد، رواه الجماعة عن عشرة من أصحاب يحيى وهم: (مالك والليث والسفيانان وحماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي ويزيد بن هارون وابن المبارك وأبو خالد الأحمر وحفص بن غياث) وروى ابن ماكولا بسنده عن أبي عبد الرحمن النسوي قال:"حديث الأعمال بالنية حديث جليل تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري فات يحيى القطان".
وأجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وصحته، قال الشافعى وآخرون: هو ثلث الإسلام، وقال عبد الرحمن بن مهدى وغيره: ينبغي لمن صنف كتابًا أن يبدأ فيه بهذا الحديث، تنبيها للطالب على تصحيح النية.
وقال جمهور العلماء: لفظة إنما موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما سواه، فتقدير هذا الحديث أن الأعمال تحسب بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية، وفيه دليل على أن الوضوء والغسل والتيمم لا تصح إلا بالنية، وكذلك سائر العبادات، وأما إزالة النجاسة فلا تفتقر إلى نية، لأنها من باب التروك، والترك لا يحتاج إلى نية، وقد نقلوا الإجماع فيها، وتدخل النية في الطلاق والعتاق والقذف.
وفائدة قوله (وإنما لامرئ ما نوى) بعد قوله (إنما الأعمال بالنية) بيان أن تعيين المنوي شرط، ومعنى قوله (فمن كان هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) أن من قصد بهجرته وجه الله وقع أجره على الله، ومن قصد بها دنيا أو امرأة فهي حظه ولا نصيب له في الآخرة بسبب هذه الهجرة، وأصل الهجرة الترك، والمراد هنا ترك الوطن، وذكر المرأة مع الدنيا يحتمل وجهين:
أحدهما أنه قيل بأن سبب هذا الحديث أن رجلا هاجر ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فقيل له مهاجر أم قيس، وقصة مهاجر أم قيس قد صحت من قول ابن مسعود، صححها غير واحد من أهل العلم منهم الذهبي وابن رجب وابن حجر، إلا أنه لم يرد في كونها سببًا لهذا الحديث شيء يصح كما قال غير واحد كابن رجب وابن حجر رحمة الله عليهما.
والثانى أنه للتنبية على زيادة التحذير من ذلك وهو من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيها على مزيته والله أعلم.